الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016
برنامج ”نكزة”.. كوميديا تحارب اليأس
الاثنين، 8 أغسطس 2016
منذر ماخوس: لم يضغط علينا أحد للذهاب إلى المفاوضات.. ونطالب بإخراج كل المقاتلين الأجانب من سوريا
جرى هذا الحوار مع الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات منذر ماخوس في مقر سفارة الائتلاف في باريس في الثالث من آب من العام الجاري 2016
س: ما هي النقاط التي استعصت عندها المفاوضات؟ وما هي شروط الهيئة العليا لاستئنافها؟
من حيث الواقع المفاوضات حتى الآن لم تبدأ، بمعنى لم تبدأ مناقشة الأزمة السورية الحقيقية وهي عملية الانتقال السياسي، حيث تم تعليق المفاوضات في منتصف الجولة الثالثة، بسبب عدم التزام النظام السوري بقرارات مجلس الأمن، خاصة في ما يتعلق بوقف العمليات العدائية والخرق الشامل، أيضاً ما يتعلق بمنع دخول المساعدات الإغاثية للمدن المحاصرة، وعدم إطلاق سراح أي معتقل. لهذه الأسباب تم تعليق المفاوضات وكنا وقتها نناقش الأمور الإطارية والتحضيرية، وفي تلك الجلسة وتحديداً في المحطة الثالثة من بدء الاجتماعات وصلنا إلى النقطة الأساسية وهي تشكيل هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وعندما أًصبحت هذه النقطة على جدول الأعمال، كان النظام السوري يقوم بشكل مقصود بتعطيل قرارات مجلس الأمن، لكي يدفع المعارضة إلى أن تدير ظهرها للمباحثات، وبالتالي يهرب من عملية الاستحقاق السياسي المطروحة، وهي عملية انتقال سياسي شامل لنظام يختلف جذرياً عن النظام القائم.
س: إذن هل نستطيع القول أن الهيئة العليا للمفاوضات لن تستأنف المفاوضات ما لم يتم تنفيذ ما اتفق عليه، وهو إطلاق سراح المعتقلين وإدخال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة؟
نعم لا تزال هذه المطالب قائمة لكن ليس بهذه الميكانيكية، طالما تم تعليق المفاوضات لهذه الأسباب منذ أكثر من ثلاثة أشهر. إن المبعوث الدولي السيد دي ميستورا يعلم جيداً أن الهيئة العليا للمفاوضات لن تستمر ما لم يتم تحقيق تقدم على الأرض فيما يخص هذه الملفات، حيث لا يوجد تقدم حقيقي بعد ثلاثة أشهر من تعليقاها، وإن كنا مهيئين ومستعدين للاستمرار بعملية التفاوض، فالنظام ما زال يحاصر المدن، ويمنع دخول المساعدات وبشكل مقصود لم يطلق سراح معتقل واحد، ويستمر بالخرق الشامل للهدنة، ولهذا السبب قال السيد دي مستورا أنني لن أرسل دعوات لاستمرار العملية التفاوضية ما لم يكن هناك تقدم على الأرض، والروس والأميركيون يعرفون كلاهما كراعين للعملية السياسية أن الدعوة للمفاوضات بدون وجود بيئة مناسبة لن يكون مجدياً، وخصوصاً تنفيذ قرارات الأمم المتحدة 2254 و 2268 ذات الصلة بهذه الملفات.
الآن لا نشعر بأن هناك تقدم حقيقي وقد زادت الأمور تعقيداً بعد مسألة حلب، التي أصبحت محاصرة هي الأخرى، فإذا كان لدينا حوالي العشرين بلدة محاصرة والتي تحوي ما يزيد عن المليون نسمة، فالأحياء الشرقية من حلب تحوي ما بين 250 ألف إلى 300 ألف شخص، يعتبرون الآن بعداد المحاصرين، إذن هذا سبب إضافي يعرقل استمرار عملية المفاوضات في جنيف.
س: ما هي الضمانات التي قدمت لكم من الدول الحليفة للمعارضة السورية سواء السعودية التي شكلت الوفد أو أميركا وفرنسا أو المنظمات الدولية التي دفعتكم للذهاب للتفاوض، وهل هي ضمانات كافية برأيك؟
أنا أتحفظ على السؤال لأن السعودية لم تشكل الوفد، المبادرة كانت سعودية بالأصل لكن تقف ورائها كل الدول الخليجية والأوربية، ولا أعتقد أنهم دفعونا للذهاب، هناك دعم إقليمي ودولي نعم وهذا ليس سراً، لكن لا يصح القول أن المعارضة دُفعت للذهاب إلى المفاوضات، ليس الأمر بهذه الآلية أو الميكانيكية.
كما أن الضمانات تكون ذات قيمة عندما تكون مكتوبة وموقعة وتحت أطر دولية أو أطر ملزمة، ولم يعطينا أحد ضمان كهذا، لكن هناك وعود بأنه يجب استمرار العملية من وجهة نظرهم، ونحن نريد حل سياسي إذا كان ذلك ممكناً، لكن ليس حل سياسي بأي ثمن، لذلك مرة أخرى ليست هناك ضمانات بمعنى الضمانات.
س: لكن نعلم جميعاً أن نظام الأسد لا يمكن أن يقدم تنازلات أو يتنحى عن الحكم؟
نحن لا نراهن على أن بشار الأسد سوف يتنحى عن الحكم، ولكن كي لا نهتم بأننا نعطل العملية السياسية نحن نذهب لنفاوض، وأكثر من ذلك نحن أعددنا كل ما ينبغي من أجل إنجاح العملية السياسية خاصة فيما يتعلق بإنجاز الوثائق التي تتعلق بآلية سير المرحلة الانتقالية، وثائق تتعلق بشكل سوريا المستقبل وكل ما له علاقة بآليات التنفيذ لإنجاز المرحلة الانتقالية، وقدمنا حتى الآن وثائق مهمة، منها وثيقة المبادئ الأساسية وغيرها حوالي تسع وثائق أخرى حول هذه المسألة، والتي تم تقديمها عبر المفاوضات التي تمت في جنيف وسلمت لدي مستورا ونقلها للطرف الآخر، وآخر عمل مهم جداً وأفضل ما تم إنجازه حتى الآن وثيقة أسمها" الإطار التنفيذي للعميلة السياسية" وبالأصل قام بوضع مسودتها مجموعة من المحامين في القانون الدولي وذوي الخبرة بالدستور، تطرقت لكل ما يتعلق بتنظيم عمل الدولة، وبدورها الهيئة العليا شكلت لجنة لدراستها ومراجعتها، وهي تشكل أفضل إطار حسب وجهة نظري حتى الآن تم إنجازه لوضع تصور شامل لعملية الانتقال السياسي ولشكل سوريا المستقبل. وهذا عمل كبير ويعني بأننا جادون ومستعدون أن نبين للشعب السوري قبل كل شيء والمجتمع الإقليمي والدولي على أننا نملك رؤية واضحة للخروج من هذه الكارثة التي تعيشها سوريا اليوم.
س: وجود أجسام أخرى من المعارضة في المفاوضات هل هو داعم للهيئة العليا للمفاوضات أم أنه لا يصب في صالحها، ولماذا؟
من حيث المبدأ نحن نعتبر أن الهيئة العليا هي الممثل للشعب السوري في أي عملية سياسية، وهذا ليس إدعاء لأن الهيئة نتاج قرار دولي في اجتماع فينا، والذي قرر تشكيلها وطلب من السعودية احتضان الإطار الجديد، وهو يحوي أربع مكونات، تمثل غالبية أطياف المعارضة ولا أقول كلها، وبالتالي هي مبادرة سياسية تتكون من أربع مجموعات كبرى هي الائتلاف وهيئة التنسيق، وطيف واسع من المستقلين، وأيضاً ممثلين عن الفصائل العسكرية. نعم هناك أطياف معارضة أخرى لا ننفي ذلك، هناك منصة القاهرة ومنصة موسكو، أما منصة حميميم فلدينا بخصوصها شبهات لأننا لا نعتبرها معارضة، وهي مصنعة تماماً تم تشكيلها بين النظام والروس، وهناك أيضاً عشرات منظمات المجتمع المدني، وبشكل خاص ممثلي القطاع النسائي. إن السيد دي ميستورا يتعامل مع هذه الأطياف الأخيرة بشكل مستقل على أساس استشاري، ونحن لا نعترض على هذه الصيغة. كما قمنا بمبادرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر للانفتاح على أطياف المعارضة الأخرى، وعلى وجه الخصوص منصة القاهرة ومنصة موسكو، ومنصات المجتمع المدني من أجل فهم أوسع للعملية الانتقالية ومستقبل سوريا، لكن على الصعيد التنظيمي واضح أن المفاوضات تجري بين ممثلين عن النظام وممثلين عن المعارضة الذين تمثلهم اليوم الهيئة العليا للمفاوضات.
س: هل تعتقد أن المجتمع الدولي سيضغط في النهاية على الأسد للتنحي عن السلطة؟
حتى الآن هو لم يضغط، وهذا واضح، وليست هناك مؤشرات على أنه سوف يضغط، الذي يستطيع الضغط على النظام السوري هو روسيا فقط لا غير، لذلك نحن نتفاهم مع الأميركيين وغيرهم من أصدقاء الشعب السوري الذين يجب عليهم أن يضغطوا على الروس لكي يضغط الروس بدورهم على النظام السوري، من أجل الالتزام بالقرارات الدولية وتسهيل عملية الانتقال السياسي. ولا يزال النظام السوري متعنت بتقديم تصوره للحل، ويتكلم عن حكومة وحدة وطنية أو حكومة موسعة، وهي عبارة عن عملية ترقيعية وليست عملية انتقال سياسي. لأن مضمون المشروع الذي يطرحه النظام وحلفائه هو تشكيل حكومة جديدة بإضافة ممثلين للمعارضة وللمستقلين، لكن تحت مظلة النظام وعلى رأسه بشار الأسد، وبالنسبة لنا هذه الصيغة مرفوضة بالمطلق، وليس هناك أي أفق على أن هذا النظام سوف يقبل بمقاربة المعارضة التي تتلخص بعملية انتقال سياسي شامل عبر هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وأن لا يبقى أي دور لبشار الأسد والحكومة الحالية. عندما وصلت المفاوضات لهذه النقطة تحديداً، فعل النظام كل ما يستطيع من أجل إفشال العملية السياسية، والهروب من الاستحقاق السياسي الذي يتمثل بعملية انتقال سياسي شاملة.
س: برأيك، ما هي أولوية الروس في سوريا؟ هل هو تعاون مع الأمريكان، أم مقايضة للمجتمع الدولي بقضايا أخرى، أم دعم لحليف مهم؟
هم يدعمون بالتأكيد حليف لهم، لأن النظام السوري يشكل ورقة بالنسبة للروس ومصالحهم في المنطقة، حيث لم يبقى للروس في المنطقة سوى النظام السوري، لكن المسألة السورية أعقد من ذلك، لأنها أصبحت مدولة بامتياز، ولا يمكن تصور حل للمسألة السورية بمفردها، فهناك ثلة من المسائل الإقليمية والدولية، كقضية أوكرانيا والقرم وهناك قضية العقوبات الاقتصادية وأسعار النفط وهناك مسألة الدرع الصاروخي، هذه القضايا الكبيرة والمهمة والحساسة تشكل كلها حزمة واحدة، وبالتأكيد سوف يتم التعامل بين روسيا والولايات المتحدة على حل هذه المسائل بصفقات بين هذه القضايا المختلفة ومنها القضية السورية، هذا يدعو للاعتقاد أنه ليس هناك ما يبشر بحل عبر الدول الفاعلة سنصل إليه في المرحلة القريبة القادمة.
س: يشير محللون إلى أن الروس أرادوا عبر حصار حلب تغيير قواعد اللعبة السياسية، كيف تجدون محاولة فك الحصار عن المدينة مؤخراً على يد الفصائل المقاتلة؟
نعم بالفعل قضية حلب قضية مركزية، لذلك استمات النظام وحلفائه من أجل إطباق الحصار عليها، ونجحوا إلى حد ما، وهذا ما جعل الفصائل منذ عدة أيام تقوم بعملية معاكسة من أجل فك الحصار. بدون شك الحفاظ على حصار حلب مهم للنظام لأنه يغير قواعد اللعبة بالنسبة لهم ويعطيهم أوراق إضافية خلال العملية السياسية، بما يسمح لهم بابتزاز المعارضة وطلب تنازلات أو القبول بمقاربة النظام، وهذا لن يحدث أياً كانت الأوضاع. بدورهم الثوار حققوا إنجازات لا بأس بها، أول البارحة حرروا مناطق عديدة، والعملية لا تزال قائمة وهم الآن يعدون لمرحلة ثالثة لدحر النظام وفك الحصار وربما تقوية مواقعهم في موازين القوى بمنطقة حلب وفي الشمال بشكل عام بما يغير المعادلة.
س: هناك دعوات من بعض الدول لإقامة هدنة في حلب، برأيك هل ستشهد حلب هدنة في القريب؟
حسب معلوماتي أن أول من دعا لهدنة لمدة 48 ساعة في الأسبوع هي الأمم المتحدة، بعد أن كان النظام قد أوشك على إطباق الحصار على حلب، الأمر الذي سيؤدي لكارثة إنسانية في الأحياء الشرقية، لذلك اقترحت الأمم المتحدة أن تكون هناك هدنة 48 ساعة كل أسبوع للسماح بإدخال المساعدات، لكن لم يتعامل أحد مع هذا الاقتراح الأممي. بالمقابل النظام صرح أنه سيشكل أربعة معابر والروس أضافوا إليها ثلاثة معابر أخرى لخروج المقاتلين الراغبين بتسليم سلاحهم والمدنيين أيضاً، لكن هذه عبارة عن خدعة وعملية ملغومة من أجل تفريغ حلب من سكانها والتغيير الديموغرافي، ونحن مررنا بتجربة سابقة في حمص عندما حاصرها النظام وأقام مصالحات وقال أنه يسمح للمقاتلين بعد تسليم سلاحهم الخروج وللمدنيين أيضاً، والذي حصل أنه قام باعتقال كل من خرج من المدينة سواء كانوا من المدنيين أو من المسلحين، وخضعوا جميعاً للتحقيق على مدى شهور، ومن ثم أفرج عن حوالي 250 شخص فقط والبقية لا زالوا مجهولي المصير ونحن لا نعرف هل هم على قيد الحياة أم لا.
س: ذكرت" التغير الديموغرافي" هل هناك مناطق تعرفها في سوريا سكن فيها غرباء مكان السكان الأصليين؟
نعم في ريف دمشق وفي دمشق نفسها ومناطق أخرى، هناك تجنيس لعدد كبير من المواطنين الإيرانيين ومن جنسيات أفغانية وجنسيات أخرى مختلفة، جاءوا بهم كمقاتلين مرتزقة ويريدون تجنيسهم، وهم من لون طائفي معين يهدف إلى تغيير ديموغرافي في سوريا، حلب قد يحدث بها نفس الشيء إن نجح مشروع النظام بإخراج السكان الأصليين من المدينة، وبالتأكيد سيفعل ما فعله بمناطق أخرى ويدخل مكانهم أناس آخرين ليسوا سوريين.
س: في الجولة الثانية من المفاوضات التي حدثت في جنيف خرج بيان موقع باسم" فصائل الثورة السورية" تتهم فيه دي مستورا بالانحياز للنظام، كما حثتكم تلك الفصائل باتخاذ موقف حازم من المناورات الأممية، كيف تقيمون أداء دي مستورا وهل بالفعل هو منحاز للنظام؟
نحن لم نلمس حتى هذه اللحظة من السيد دي مستورا بأنه منحاز بالمعنى الذي يتم الكلام حوله، هناك كلام كثير من الفصائل وغير الفصائل على أنه منحاز، لكن عبر المفاوضات التي تتم في جنيف هو يسعى أن يكون وسيط حيادي، لأن مهمته تقتضي ذلك، وإذا مال لطرف دون الآخر ستكون هناك مشكلة، وحتى الآن لم يصدر أي تقرير من الهيئة العليا يشير لانحياز دي مستورا للنظام، هو وسيط دولي يحاول أن يدور الزوايا الحادة وقد يبدو أحياناً بنظر البعض منحاز، هناك انطباع ربما لدى الفصائل أو غيرها وهو مشروع، ولا أعترض عليه.
س: لماذا لم ترد في البيانات الصادرة عن مكتب المبعوث الأممي ومراحل تنفيذ الاتفاقيات، إشارة واضحة للمليشيات الشيعية المقاتلة لجانب قوات النظام، وخروجها من الأراضي السورية؟ ألم تطلبوا منهم الإشارة الواضحة لخروج حزب الله مثلا؟
نعم هذا سؤال كبير، ونحن لا نتوقف عن تكرار ذلك للسيد دي مستورا ولكل الأطراف اللاعبة وخاصة الدول الصديقة للشعب السوري وهي تضم أكثر من عشرين دولة وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والسعودية وقطر وتركيا والأردن.. الخ، كل هذه الدول نحن نقول لها أنه ليست هناك إشارة إلى دور هذه المليشيات وهي ميليشيات أجنبية، وهم ليسوا سوريين، فحزب الله لبنانيون والمليشيات العراقية والمليشيات الإيرانية حدث ولا حرج وهناك مليشيات تأتي من دول آسيا بما في ذلك الأفغان، وهم مرتزقة بامتياز هؤلاء جاءوا بهم..
س: ( مقاطعاً ) لماذا تتم الإشارة دائماً لتنظيم داعش والنصرة ولا تتم الإشارة لهذه المليشيات؟
من ناحيتنا كهيئة عليا للتفاوض نحن لا نتوقف عن الإشارة إلى هذه المسألة، ونطالب أيضاً أن تكون هناك قرارات بإخراجهم، نعم عندما يتكلمون عن داعش والنصرة نسأل لماذا لا يتم التكلم عن هؤلاء، وهؤلاء كلهم أجانب عملياً وإذا أخذت عددهم ستجدهم أكثر من كل الأجانب الموجدين لدى داعش والنصرة، ونحن نطالب بإخراج كل من هو أجنبي من سوريا.
س: يشير ناشطون بأن لديكم كهيئة عليا للمفاوضات كل ما يدين النظام ويعكس عدم جديته، كقضية المعتقلين واستشهاد الآلاف منهم تحت التعذيب والمناطق المحاصرة، وبأن المنابر الإعلامية مفتوحة أمامكم والمنظمات الحقوقية والقوانين الدولية تقف لصالحكم، فلماذا لم يضعف النظام عبر المفاوضات؟ ولماذا لا نجد رأي عام دولي يقف إلى جانب الثورة السورية؟
الهيئة العليا للمفاوضات والائتلاف، وفي وقته المجلس الوطني وحتى المعارضة غير المنظمة بأطر سياسية، لا تتوقف على الإطلاق عن تناول ذلك بشكل يومي، وليس هناك تقصير بهذه المسألة من وجهة نظري على الإطلاق.
أما لماذا لا يتعاطف المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، فهنا المشكلة، بأنه لماذا لا تزال القضية السورية بدون حل، لماذا هناك قتل مستمر منذ ست سنوات، لأنه كما قلت أصبحت القضية السورية مدولة، وهناك تقاطع مصالح بين دول مختلفة وبالتالي ليس هناك تعامل موضوعي مع الواقع السوري كما هو، هناك حزمة من المشاكل الدولية وبالتالي يتم تناول القضية السورية كأحد هذه العوامل أو العناصر في هذه الحزمة وفق آلية مقايضات أو مساومات بين الدول التي تملك الحل، ونحن لا نملك التأثير على هذه المعادلة.
س: تحدث ناشطون عن تجاوز الهيئة العليا للمفاوضات للائتلاف الوطني كممثل للمعارضة، وذلك عبر إصدار بيانات مستقلة، كالترحيب بفك ارتباط النصرة عن القاعدة، وبأن عمل الهيئة أصبح بعيداً عن وظيفتها الأساسية، كيف تشرح ذلك؟
صحيح أن مهمة الهيئة العليا هو التفاوض، لكنها أصبحت واجهة للمعارضة السورية كما أن الائتلاف كان ولا يزال موجود كإطار سياسي أوضح، وله صيغة تمثيلية باعتراف دولي، بغض النظر عن طبيعة الاعتراف الحالي لأن الصورة لم تعد كما كانت منذ ثلاث أو أربع سنوات. لكن أنا لا أجد أن هناك تناقض بين دور الائتلاف وبين دور الهيئة العليا، فالهيئة العليا ثلثها من الائتلاف، وهي لا تستطيع أن تتجاوز قضايا سياسية مهمة، مثلاً مسألة المساعدات الإنسانية قضية لها علاقة بالمسار التفاوضي، قضية المعتقلين لها علاقة أيضاً، وقف إطلاق النار أيضاً ذو صلة مباشرة باستمرار العملية التفاوضية. وقد صدر بيان فعلاً باسم الهيئة العليا يرحب بتغيير جبهة النصرة لاسمها، فالهيئة العليا والمعارضة ترحب بفك الارتباط مع القاعدة، لأن القاعدة مصنفة في كل دول العالم كمنظمة إرهابية، وإذا كانت النصرة تفك ارتباطها الشامل وليس فقط الشكلي بالاسم وإنما ارتباطها التنظيمي لنقل وخاصة الآيدلوجي، وتقبل بمشروع الشعب السوري ببناء دولة مدنية تعددية كدولة قانون ومواطنة، وتحترم خيار الشعب السوري، فنحن نرحب بالمنظمات التي تكون قيمة مضافة من أجل التصدي للنظام السوري، لكن بشرط أن تكون في إطار المشروع الوطني السوري، وأن تقبل بالحفاظ على هيكل الدولة السورية عبر إعادة صياغة الأمن والجيش.
س: السؤال الأخير في خطابه أمام مجلس الشعب قال بشار الأسد بأن وظيفتكم كهيئة عليا للتفاوض هي الأكل والشرب والنوم، بماذا ترد عليه؟
أنا لا أريد أن أرد لأنه لا يستحق الرد، أنا لا أدعي أن المعارضة مثالية وتقوم بواجباتها على ما يرام، لكن هذا التقزيم لدور المعارضة واختزالها بالأكل والشرب والنوم لا يستحق التعليق، وأتساءل ماذا قدم للشعب السوري هو ونظامه الذي دمر سوريا.
الحوار المتمدن
الخميس، 28 يوليو 2016
علي المقري: قد لا تتحقق الكتابة في باريس، لكن الحياة تتحقق فيها!

من مواليد مدينة تعز في العام 1966 م، له عشرة كتب منها مجموعات شعرية وكتاب (الخمر والنبيذ في الإسلام) وأربع روايات هي:
1/ ” طعم أسود.. رائحة سوداء..” القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية-بوكر 2009 .
2/ ” اليهودي الحالي” القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية-البوكر 2011.
3/ ” حرمة” صدرت في العام 2011 وحازت على جائزة التنويه الخاص للرواية العربية من معهد العالم العربي في باريس في العام 2015.
4/ ” بخور عدني” صدرت في العام 2014.
*بداية سأطلب منك أن تحدثنا عن دافع تأليفك لكتاب” الخمر والنبيذ في الإسلام” وتجربتك معه؟
*نلاحظ في رواية” طعم أسود رائحة سوداء” تطرقك لفئة الأخدام، وفي رواية” حرمة” تطرقك لوضع المرأة باليمن، هل هدفت إلى إبراز الفئات المجتمعية المهمشة في اليمن؟ ولماذا؟
*ما هو المعنى الحقيقي للوطن لديك؟
*في رواية” حرمة” تشير إلى فتوى تتعلق بإرضاع الكبير في الإسلام والترويج لها عبر إحدى الفضائيات. كيف قرأتها في ظل الجدل الإعلامي حينها؟
*أليست مبالغة بأن يتم التعاطي مع هذه المسألة بين شيخة دين والمتصلين على وسائل الإعلام، كما طرحت في روايتك؟
*في رواية” حرمة” كان الصوت السارد نسوياً، وفي رواية “بخور عدني” صوت السارد جاء على لسان فرنسي يعيش في عدن، كيف يقع اختيارك على صوت السارد؟ وما هي الصعوبات التي تواجهك؟
*نجد في رواياتك العنصر اليهودي حاضراً، حتى في رواية” حرمة” التي لم تتطرق فيها للعنصر اليهودي اليمني، كان هناك حضور ليهودي إيراني، ما السبب؟
*في روايتك” بخور عدني” تطرقت لتفاصيل المدينة والتعايش المشترك قبل أن يحدث هذا التحول في الواقع اليمني، هل تعتقد كروائي يمني أن التفاصيل التي حاولت الإمساك بها ستعود يوماً ما، لحياة اليمنيين؟
*الأشياء التي طمست من حياة عدن كوجود بارات، كازينوهات، العنصر الأجنبي، السينما وغيرها.. هل تعتقد أنها ستعود في المستقبل اليمني، بأشكال أخرى؟
*مع صعود الصوت الوطني في اليمن، وسيطرته على الحياة السياسية لاحقاً، تم إلغاء تفاصيل أخرى اعتبرت غير وطنية، أي بعد خروج الاستعمار من الجنوب، وصعود العسكر في الشمال، بالنسبة لك ماذا خسر اليمن؟
*ما هو موقف علي المقري مما يحدث اليوم في اليمن، سواء عاصفة الحزم من جهة أو الحوثيين من جهة أخرى، بالإضافة لتنظيم القاعدة المنتشر؟ وقبل ذلك من الثورة اليمنية؟
*هل نستطيع القول، بأن الشاعر علي المقري سيعود ؟
*تقيم الآن في باريس منذ تسعة أشهر، كيف تجد الكتابة بها؟
*كيف تجد مدينة باريس؟
الخميس، 28 يناير 2016
رحلة إلى بلاط الشهداء
كتب المؤرخون أن معركة بلاط الشهداء بين المسلمين والمسيحيين تقع بالقرب من مدينة Poitiers
"بواتييه" الفرنسية، المدينة التي زرتها عبر برنامج يرسل الصحفيين إلى المدارس الثانوية ليتحدثوا عن تجاربهم في الصحافة والأحداث التي تمر بها بلدانهم، بالتعاون مع بيت الصحفيين في باريس.
وصلت إلى "باوتييه" وكان ينتظرني أحد المدرسين حاملاً لوحة كتب اسمي عليها، اعتذرت عن التأخير وأبلغني أنه أمر عادي طالباً مني الاسترخاء حتى نصل المدرسة، وفي الطريق راح يحدثني عن أبرز معالم المدينة ومنها Futuroscope "فوتورسكوب"، وحدثني أيضاً عن أكلات المدينة الشعبية ومهرجاناتها وغيرها..
وصلنا إلى الثانوية في" شاتورو"، حيث كان ينتظرني ما يزيد عن الأربعين طالبا تتراوح أعمارهم بين الخمسة عشر والسبعة عشر عاماً وبعض المدرسين والصحفيين..
بدأت المحاضرة بالاعتذار عن التأخر، حيث لم ألحق بالقطار الأول، فاضطررت لحجز تذكرة سفر في القطار اللاحق، وأضفت مازحاً هذا أمر عادي بالنسبة لشاب عربي، وضحكوا.
ثم تحدثت سريعاً عن تجربتي بين السعودية وسوريا، وخروجي إلى الأردن حتى وصلت إلى باريس.
بعد ذلك تلقيت الأسئلة، ومنها ما الذي شجع السوريين للخروج بمظاهرات ضد نظام الأسد؟ ما هو سبب الثورة السورية؟ ماذا تعتقد سيحدث في سوريا مستقبلا؟
أحد الطلبة سألني عن وسائل التعذيب في المعتقلات السورية، طالبا أن أتحدث عنها إذا لم يزعجني الأمر، فأجبت أنه لا يزعجني لكنه سوف يزعجكم بالتأكيد، وتحدثت عن الفرع 215 الأمن العسكري بدمشق، والذي اعتُقلت فيه لمدة شهرين لم أستحم خلالها، وعن قمل الجلد الذي كان يملأ أجسادنا، وكيف كنا نرتدي ملابسنا بالمقلوب حتى نخفف من لسعه الدائم لأنه يعيش في عقد ووصلات الأقمشة.
تحدثت وأنا أراقبهم حتى باشروا بالتحرك على كراسيهم وبحك أجسادهم، ثم انتقلت إلى وسائل التعذيب وصراخ المعتقلين وسوء الطعام وتلوثه، ولاحقاً عن تدهور حالة المعتقل الذي بقيت أتابع أخباره بعد أن خرجت منه، وظهور حالات تفسخ بالجلد وموت جماعي، مخبراً الطلاب أنه ذات الفرع الذي سربت منه الصور الشهيرة، طالباً منهم قراءة شهادة سيزر -وكان بعضهم قد قرأها- عن الصور المسربة، وأثناء مراقبتي للطلاب وأعينهم وردات فعلهم، رأيت أن أشد ما آلمهم حديثي عن لاجئة سورية في فرنسا، تقضي يومها في البحث عن صورة زوجها المعتقل بين آلاف صور القتلى.
أما السعودية والتي عشت فيها طويلاً، فنصيبها من الأسئلة كان أقل، ومن أبرز الأسئلة التي وجهت لي عنها، سؤال من طالبة عن رأيي بوضع المرأة هناك، وأجبت أنه يشبه وضع المرأة الأوروبية في العصر الفيكتوري، والذي تحدث عنه الفيلسوف ميشيل فوكو، حيث تم عزل الرجال عن النساء، فوضعوا الستائر في صالات الطعام وغيرها لحجب الرؤية، ويعلق فوكو بأن كل وسائل العزل المستخدمة كانت تذكر بالجنس ذاته.
وهو ما ينطبق اليوم على وسائل العزل في السعودية، فسيارة الهيئة التي تحضر في الأسواق ويطلق على رجالها "حراس الفضيلة" تعني أنها موجودة لمنع "الرذيلة"، وهي الممارسة الجنسية وكل ما يؤدي إليها. وهكذا يتم اختصار المرأة بكل ما تحمله من نزعات وعواطف بشرية، بالجنس وممارسته في المجتمع الذكوري.
عقب المحاضرة ذهبت برفقة الأستاذة المنظمة وتجولنا في مدينة "شاتورو"، ثم اتجهنا إلى منزلها حيث لحق بنا مدرس آخر بصحبة عائلته، تناولنا طعام العشاء وحدثوني عن بلاط الشهداء، وطاولات رسمت عليها جيوش ووضعت في مكان المعركة مزودة بالأزرار الإلكترونية، إذا لمسها الزائر تتحدث عبر سماعات عن المعركة وتاريخها وما يخصها من أحداث، وبعد منتصف الليل خرجت مع المدرس وعائلته لمنزلهم الكبير، حيث قضيت ليلتي هناك.
في اليوم التالي صباحاً جاءت مدرسة أخرى لنقلي إلى ثانوية "فيكتورهوغو" أكبر ثانويات مدينة "باوتييه"، وفي المدرسة اصطحبتني فرنسية من أصول جزائرية لأشاهد الثانوية وأقسامها المتنوعة من راديو ومكتبة وغرفة للموسيقى وغيرها. المدرسة كانت مستشفى وبعد الحرب العالمية الثانية تم تحويله لثانوية، وعُلقت على جدرانها صور للمستشفى وتركت بعض الأدوات القديمة في ممراتها منها بيانو للعزف، بالإضافة لصور جماعية للأطباء، وأخرى حديثة للأساتذة تُلتقط مع بداية كل عام دراسي.
بعد أن تناولنا الغداء، بدأت المحاضرة لثلاثين طالب تقريباً، أما أسئلتهم فلم تختلف كثيراً عن طلاب "شاتورو"، وبالعموم وجدتها أسئلة عقلانية تبحث عن إجابات منطقية، وعن حافز أكبر للبحث عن المعلومة.
وبالرغم من إدلائي برأيي بكل شاردة وواردة خارج المحاضرتين، إلا أني اختصرت الحديث عن المعركة التي خسرها أجدادنا بسرد ما قاله صديقي اللاجئ السوري عندما مر بالمدينة وهو قادم من إسبانيا متجهاً إلى السويد، حيث قالوا له هنا خسر العرب معركة بلاط الشهداء، فأجاب "الحمد لله أنهم خسروها وإلا أين كنت سألجأ؟".
هافنغتون بوست
الأربعاء، 6 يناير 2016
"داعش في حلب" للشهيد ناجي الجرف
اغتيل الصحفي السوري ناجي الجرف في مدينة غازي عنتاب التركية في السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول بمسدس كاتم للصوت. والجرف من مواليد 1977م وينحدر من مدينة السلمية. شارك بالثورة منذ انطلاقتها كإعلامي عمل على فضح جرائم وانتهاكات النظام، ولاحقاً كَشْف جرائم تنظيم داعش المتطرف، حتى عُرض فيلم "داعش في حلب" من إعداده وإخراجه على شاشة العربية، والذي يرجح أنه كان السبب وراء اغتياله، على الرغم من عدم تبني التنظيم للعملية لكي لا يحصد مزيدًا من المشاهدات من أصدقاء التنظيم قبل أعدائه.
مدة الفيلم 24 دقيقة فقط، لكنها دقائق مختزلة ومعبرة استطاعت أن تهز كيان التنظيم، خصوصاً أنها أحرزت نسبة مشاهدة عالية لدى الشارع السعودي، والذي خاطبه البغدادي في رسالته الصوتية الأخيرة تحت عنوان "فتربصوا إنا معكم متربصون"، إذ خص البغدادي الشعب السعودي دون غيره من المسلمين بالتسمية والتحريض على حكامه، طالباً منه مناصرة التنظيم. ومن المعلوم أن البيئة السعودية هي الأكثر انغلاقاً ضمن محيطها المجاور، وسكانها يعيشون ضمن قوانين إسلامية متشددة تنفرد ببعض المظاهر عن باقي بلاد المسلمين، كالشرطة الدينية التي تعرف بهيئة الأمر بالمعروف، بالإضافة لمنع النساء من قيادة السيارة وغيرها من الممارسات، ما يعني أن الخطاب الإسلاموي قادر على ابتزازه والتأثير فيه، فما الذي أظهره الجرف للسعوديين خاصة والمسلمين عامة، ودفع بالتنظيم للانتقام منه قبل أن يغادر تركيا إلى فرنسا؟ وأي أفلام كانت لديه لم تعرض، بعدما كان ينوي عرضها لاحقاً؟ هنا سأتحدث عن الفيلم بوصفه إجابة على السؤال الأول، وسنترك للمستقبل الإجابة على الثاني.
يبدأ الفيلم بشخصية تعرفها حلب، قام التنظيم باختطافها، لم تكن مسلحة وليست من مؤيدي النظام السوري، هو "نور حاووط" الذي عمل مسعفاً لضحايا الطيران الأسدي، واختطفه التنظيم كغيره من الشباب الثوري الناشط. أما "أبو مريم" أحد أبرز وجوه الثورة في مدينة حلب، والذي اختطفه التنظيم أيضاً، فتتحدث والدته وأخوه بلغة توصيفية خالية من أي تحريض.. كيف اختفى الناشط، وماذا كان شيوخ داعش يقولون لهم، وأيمانهم المغلظة التي يطلقونها عند إنكار صلتهم بخطفه، حتى ذهبت والدة المخطوف إلى مقر داعش وسألت أحدهم فأخبرها أنهم قتلوه لأنه يخرج الراقصات في المظاهرات وبأن ابنها علماني، لترد قائلة "ابني ضد النظام ونحنا ضد النظام من زمان" ما يوحي أنها إنسانة بسيطة لا تعرف ما تعنيه كلمة علماني. أما تهمة الراقصات فيجيب عليها الجرف حين يظهر أبو مريم في إحدى المظاهرات وهو يؤدي قَسَمَ الثورة دون أن تظهر في مظاهرة" بستان القصر" الحي الحلبي المحافظ، فتاة واحدة.
الفيلم استطاع أن يصور مدينة حلب كأي مدينة أخرى غالبية سكانها من المسلمين، ويبتزها الخطاب الإسلامي وتميل عواطف قاطنيها إلى تصديقه، وفي أحيان كثيرة لا تحاول الاصطدام به لأنه اصطدام بالإسلام ذاته كما تتوهم، والمحزن في تلك الشهادات أن بعض الناطقين فيها اعتقد أن خلايا نائمة تابعة للنظام هي من تعتقلهم ولم يصدقوا أنها العناصر التي جاءت لمحاربة النظام السوري. وإحدى الشهادات التي وردت على لسان أخ تحدث عن أخيه الذي كان يدافع عن داعش وراح ضحيته بعدما اعتقله التنظيم، وحال هذا الشاب المسكين كحال العديد من الشباب العربي الذي لا يصدق أن الجماعات الجهادية بشرية وليست ربانية، وبأنها تخطئ وتصيب، وبأن عناصرها فيهم السارق والكاذب، وربما لا يقتنع بعضهم أن الفساد الذي يصيب مؤسسات الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط، يمكن أن يصيب الجماعات الإسلامية التي أصبحت تنتقي من الدين ما يوافق مصالحها، كما ينتقي الدكتاتور من الدستور ما يوافق مصلحته.
إذن الفيلم درس واقعي بدون أي رتوش، جاء بلغة بسيطة وعفوية عن تنظيم داعش الدخيل والملثم، وعن معتقلاته التي أعدم بها المئات من أبناء الثورة، بالإضافة إلى أن التنظيم راح يطعن خاصرة الجيش الحر ويعرقل تقدمه، ضمن سياسته في تفريغ الساحة من النشطاء والعناصر المسلحة، ثم ملء الفراغ وبسط نفوذه بالقوة، دون تفريق بين معارض لنظام الأسد أو مؤيد، وبين مدني ومقاتل، معتبراً جميع من هم خارج حلقته كفاراً! في حين أنه يدعوهم لمناصرته! وإن خاطبهم بالمسلمين إعلامياً، إلا أنه على أرض الواقع لا يعترف بإسلامهم، خصوصاً أن غالبية من يميلون لخطابه، ممن يعول عليهم التنظيم، يقفون ضد نظام الأسد، وتكمن خطورة الفيلم في أنه أوضح كيفية إرباك داعش لصفوف الثورة، وبالتالي عرقلة إسقاط النظام.
تناقضات جمة يجمعها التنظيم على الرغم من محاولته الظهور بشكل واحد متماسك وقوي، تناقضات قام بتعريتها الجرف دون أن ينطق بكلمة واحدة خارج سياق الأحداث التي حصلت.
هافنغتون بوست
الأحد، 15 نوفمبر 2015
بين الرقة وباريس
بين الرقة وباريس
كنت أسافر
من السعودية إلى مدينة الرقة شاعراً بالفرح، حيث المدينة التي تشكل العشائر المكون
الرئيس من قاطنيها، ولا تلعب الهوية الدينية جزءاً واضحاً من تركيبتها الثقافية،
فالعشائر تتفاخر بإكرام الضيف ومضافاتها المفتوحة، والقهوة التي تقدم للضيوف،
والأنساب، والشعر النبطي، وأمور ترتبط بمثيولوجيا القبيلة البعيدة عن آيدلوجيا
الدين، فلا" شرطة دينية" هناك كالسعودية، ولا محال تغلق وقت الصلاة،
والكحول تباع في عدة مناطق.
الرقة
مدينة متسامحة، بها كنيستين ويعمها الإسلام الصوفي. أما بناياتها فتكثر بها الشرفات
التي تجلس بها النسوة، وأرصفتها تغص بالمارة وكراسي أهل الحي وهم يدخنون النرجيلة،
أعراسها مختلطة تقام في أحواش بيوتها الواسعة.
بعد ذلك قررت الخروج من سوريا تجبناً لاعتقال آخر قد تقوم به الأجهزة الأمنية، ودعت الرقة دون أن يخطر لي أني سوف أصل باريس، متجهاً للعاصمة الأردنية عمان، ومن هناك بقيت أتتبع الأخبار بشكل يومي، حتى تم تحرير الرقة على أيدي أبناءها الذين انخرطوا في الجيش الحر، بعد مرور عام على ذكرى مظاهرتها الكبرى، أي عامين على الثورة السورية.
بعد تحرير
الرقة انتشرت المنظمات المدنية في المدينة بسرعة، أولها تجمع شباب الرقة الحر،
وأخرى كـ ( حركة حقنا ) ومنظمة ( جنى ) النسوية والعديد غيرها، والتي أقامت الكثير
من الأنشطة كحملات تنظيف الشوارع، وإقامة المسابقات وتوزيع الهدايا على الأطفال،
وتلوين الجدران وكتابة شعارات تدعو للحرية والدولة المدنية، أيضاً قامت حركة حقنا بانتخابات
تجريبية للتدريب على مراقبتها، بالإضافة للعديد من الصحف الورقية التي باتت تطبع
وتوزع في المدينة.
كما أنشأت
محكمة شرعية للفصل بين الناس ولضبط المدينة، وكانت أول خطوة خارج سلطة المحكمة من
تنفيذ تنظيم داعش، وكان في حينها الشق العراقي من جبهة النصرة، وأمام تجاوزات الشق
القادم من العراق، ووعود الشق السوري باحترام الأنشطة المدينة، شهدت الثورة
السورية قبل ذلك تغيراً نسبياً في سلوك السلفية الجهادية والتي دعت لاحترام اختلاف
الآخر، على اعتبار أن شيئاً في سوريا المتنوعة لن ينجح دون الأخذ بالاعتبار بهذه
النقطة، الدعوى جاءت على لسان أبو محمد المقدسي أبرز منظري الجهادية السلفية من
سجنه في الأردن وأذاعته قناة الجزيرة على شريطها الإخباري، وبالعودة لعملية
الإعدام الذي نفذه تنظيم داعش في ساحة المدينة دون العودة للهيئة الشرعية، والذي
استهجنه الشباب الناشط، حيث أن الضحايا لم يخضعوا لمحاكمة عادلة ولم يطلع أحد من
الناس على حقيقة التهم الموجهة إليهم، الأمر الذي دفع حركة حقنا للاحتجاج فأقامت
خيمة كبيرة في ساحة الإعدام أسموها خيمة عزاء وطن، وأطلقوا شعار" ساحات الحرية
ليست ساحات للإعدام" وفي تحقيق سابق أجريته صرح أحد أعضاء الحركات المدنية
بأنهم فتحوا خطوط تواصل مع جميع الكتائب المسلحة في المدينة، سواء الجيش الحر، أو
الإسلامية، وبأن الجميع تفاعل معهم باستثناء تنظيم داعش والذي كانت لغته التكفير
والتخوين والقتل والاختطاف، وبدوره كان التنظيم يركز في حملته الدعائية بأن النظام
السوري وأعوانه لا تنفع معهم سوى لغة السلاح، وسرعان ما أصبح أعوان النظام السوري بالنسبة
للتنظيم كل من لا ينضوي تحت رايته.
التنظيم
الذي كان يظهر فجأة ويغيب، شيئاً فشيء أصبح له مقرات واضحة في المدينة، وبدأ يمارس
استفزازاته والتي كان آخرها حرق كنيستي الرقة وكسر صلبانها، وكرد فعل نضم شباب
المدينة الناشط مظاهرة تنديداً بحرق الكنائس، وقاموا بحمل الصليب وأعادوه لداخل
الكنسية، ونظموا العديد من التظاهرات أمام مقار التنظيم تطالبه بالإفراج عن
المختطفين، وكان التنظيم في ذلك الوقت لا زال يدعي أنه لا يقاتل السنة في سوريا.
بعد أن أحكم داعش سيطرته على الرقة قام بفرض الحجاب الكامل على المرأة، ومنعها من الخروج من منزلها، كما هرب بقية الناشطين إلى تركيا أو مدن سورية أخرى، وأصبح الأجانب من الفرنسيين، البلجيكيين، التونسيين، السعوديين، وغيرهم.. يفدون إلى الرقة بالآلاف الأمر الذي أشعر من تبقى بالمدينة باحتلال جديد وقوة قمعية أخرى فرضت سيطرتها على المكان، ومن التفاصيل التي يحكيها لنا أهل الرقة، أن المهاجرين أصبحوا الطبقة الغنية في المدينة في حين يقف الرقاويون أمام المركز الإغاثي ليحصلوا على الطعام، المركز الذي يدعمه أبناء المدينة من الخارج.
اليوم بعد
أن نفذ داعش المجرم العمل الإرهابي الجبان في مدينة باريس، شعرت بالألم على
المدينة التي أعيش بها منذ ما يزيد على العامين، وصدمت وأنا في منزلي عائداً من
أحد مقاهي المدينة، حزنت على الضحايا وسعدت عندما شاهدت سوريين تحت الحصار والقصف متعاطفين مع ضحايا باريس،
منهم من وضع العلم الفرنسي كرمز لصورة حسابه الفيسبوكي، ومنهم ناشطين من مدينة
دوما أشعلوا الشموع من أجل ضحايا باريس بالرغم من الحصار والقصف العنيف الذي
يتعرضون له من قبل نظام الأسد.
الأحد، 4 أكتوبر 2015
وعود المجاهدين تصطدم بآثام السوريين
تعتمد السلفية الجهادية على الوعود الطازجة لاختراق المجتمعات، كأن يقول الإسلامي بثقة: والله الذي لا إله إلا هو لو علت أصوات التكبيرات في الرقة، لن يبقى بعدها بشار يوم واحد!
وهو بالضبط ما قاله لي قاعدي بصيغة أخرى: والله الذي لا إله إلا هو لو علت أصوات التكبيرات في دمشق، لن تبقى بعدها إسرائيل يوم واحد!
وفي زمن الحروب تجد التنظيمات الجهادية فرصة أكبر للولوج إلى المجتمعات، عبر التركيز على النصر الذي سيكون حلفيهم كما وعدهم الله، والتذكير بشجاعتهم وإقدامهم وما فعلوه بالروس والأمريكان وغيرهم، ليقتنع المتلقي أن بشار الأسد سيكون مجرد لقمة سائغة لهم. ولا يتم إطلاق هذه الوعود دون إرفاقها بوعود أخرى مطمئنة للرد على من حذر منهم، لذلك صدروا أنفسهم بداية كمجاهدين ينوون نصرة المظلومين، ولا ينوون التحكم بهم أو فرض قناعاتهم عليهم، وبأنهم سيبحثون عن أرض أخرى للجهاد بعد نصرة أهل الشام، ولعل مسمى" جبهة النصرة" دال على ذلك، كأول تنظيم سلفي دخل سوريا بعد الثورة.
بعد ذلك يبدأ الإسلاميون بالبحث عن الخلل في عدم سقوط بشار أو إسرائيل، وبالطبع الخلل ليس في الوعد ذاته الذي أطلقوه وأدواتهم التي تسعى لتحقيقه أو إمكانية تحقيقه ضمن مدة زمنية ما، إنما الخلل يمكن كما أخبرهم الله! في الذنوب التي تجلب غضبه وتمنع نصره، انطلاقاٌ من تفسيرهم لقوله تعالى" إن تنصروا الله ينصركم" ولقوله" إننا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا" وقوله" وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً" وآيات أخرى تفيد أن الله لا ينصر عباده المذنبين ما لم يتوبوا.
وليتحقق النصر الذي لم يتحقق سريعاً كما وعدوا، يبدأ الإسلاميون بالبحث عن الذنوب وإقامة محاكم تفتيش دينية لتطهير المجتمع منها، وتبدأ هذه المحاكم غالباً بالمرأة، لأن أغلب أهل النار من النساء، ولأن النساء ناقصات عقل ودين، فينال المرأة النصيب الأكبر في عملية التطهير، وتصبح عباءتها ونقابها وضحكتها وعطرها سبب بقاء بشار! والتطهير الذي يبدأ بالكبائر كمحاربة الخمور ومنعها لا يتوقف عند الذنوب كالتدخين، ولا ينتهي بالسنن كصلاة الجماعة وإجبار الناس على إغلاق محالهم التجارية عند سماع الآذان، وأثناء ذلك تتحول عملية التطهير من الذنوب، لعملية تطهير المجتمع من أي معارضة ولو بالقول للتنظيم المسيطر، واعتبار معارضة التنظيم معارضة لأحكام الله عز وجل.
ولن يقف الأمر عند هذا الحد، لينتقل التنظيم لاحقاً للترويج بوجوب الترحيب بالمهاجرين وإكرامهم، وبأن عدم الترحيب بهم سبب مباشر في عدم تحقق النصر، فمؤخراً اجتاحتنا في سوريا مع داعش أسباب جديدة لعدم تحقق النصر، منها عدم تزويج المهاجرين ( هذا ما رواه لي شاب سوري عن أخاه الذي تدعشن وبأنه مقتنع أن الله لم ينصرنا لأن الأنصار لا يزوجون المهاجرين ) علماً أن كل تفصيل ذكر سابقاً أو لم يذكر، يطرحه الجهاديون مقترن بالعديد من الآيات التي تسلب المتلقي عقله، فتكون المحصلة النهائية التي يستيقظ عليها الناس بعد فوات الأوان، قمع آخر جديد يضاف لقمع النظام، لكنه بنكهة أخرى أشد بؤساً ودلالات مغايرة أشد تعقيداً.
ونتيجة لهذه الآلية، يصبح ضعف إيمان أهل الرقة السبب في تعطيل القرار الإلهي ضد نظام بشار الأسد، وعلى ذلك تتحول معركة التنظيم الأساسية من حربها مع النظام، لمحاربة الحاضنة الاجتماعية التي بررت وجودها أو سكتت عنه، فهي حاضنة يجب أن تتماها بالتنظيم بشكل مطلق، وأن تتبنى مشروعه وتعادي أعدائه المنتشرين حول العالم، ما يعني بالضرورة نسيان معركتها الأساسية، فيتحول بشار الأسد إلى عدو لا يختلف عن بقية أعداء التنظيم، والذين هم أعداء لأنهم يرفضون فكر التنظيم، فيتساوى لدى التنظيم وأتباعه كل من هو خارج الإطار الآيدلوجي للتنظيم، ويصبح النظام السوري والأميركي والفرنسي والسعودي على قدم المساواة، ويصبح الجندي السوري الذي يقتل كالسعودي الذي ينظم سير الحجاج.
أمام هذا المشهد السريالي تقف الحاضنة الاجتماعية مدهوشة عاجزة، وتشهد ردات فعل عكسية، كالعودة لأحضان النظام على المستوى السياسي لإنقاذ ما تبقى، أو الخروج من رحم الشريعة بشكل مطلق على المستوى الفكري، أما على المستوى الاجتماعي فمن غير الممكن استيعاب هذه الجماعات في المدن، فآلاف المهاجرين الذين لم يأتوا للقتال أساساً، والذين هجروا بلاد الكفر متجهين لبلاد الإسلام، إنما هاجروا على حساب هوية المكان الأصلية وقبل ذلك نضال الأهالي وطموحهم بوطن حر وديمقراطي يحكمه القانون، الأهالي الذين لم يكن في بالهم أو حسبانهم بأن هذا سيحدث، فمن من سكان الرقة الذين خرجوا يتظاهرون ضد ما يحدث في درعا وحمص من مجازر، كان يعتقد أن مهاجراً صينياً سيصبح جاره وبأن تونسياً سيجبره على مظهر محدد وبأن فرنسياً سيكفره لأنه يجهل تعاليم دينه! وهو ما تشهده شوارع الرقة من آلاف المهاجرين والمهاجرات الذين يمارسون الحياة التي يريدونها ويفرضونها على سكان المدينة بالقوة والإرعاب من خلال قطع الرؤوس وجز الأعناق والخطف والجلد، قطع رؤوسهم ليس لأنهم يؤيدون بشار مثلاً إنما لكونهم عصاه مذنبين يجب اجتثاثهم لينتصر التنظيم على أعدائه.
مستقبل سوريا بين الفرص والمخاطر
تدور النقاشات في الساحة السورية حول الحكومة المؤقتة ورئيسها أحمد الشرع، حيث يرى بعضها أنه يمثل فرصة جديدة للبلاد التي أنهكتها الحرب، ويرى بع...
-
هنا حوار مع عشرة شباب ينتمون للطائفة العلوية مذهبياً، أما مناطقياً فهم ينحدرون من مختلف المدن والمحافظات السورية، الحوار يهدف لإبراز وجهة ...
-
بين الرقة وباريس كنت أسافر من السعودية إلى مدينة الرقة شاعراً بالفرح، حيث المدينة التي تشكل العشائر المكون الرئيس من قاطنيها، ولا تلعب...
-
Raafat al-Ghanim Zahra is 25 years old and has never seen her hometown Aleppo, or any other part of Syria for that matter. Zahra was b...

