الجمعة، 3 أبريل 2015

المنسحبون من "روزنة" لـ"المدن":النظام السوري والخِفّة المهنية اخترقا الإذاعة




لم تتوقف الصعوبات الداخلية المرتبطة بالكادر الوظيفي عن مواجهة راديو "روزنة" منذ انطلاقته في العاصمة الفرنسية في 26 يونيو/حزيران 2013. فبعد أسابيع من الظهور العلني، بدأ العاملون بالانسحاب، حتى أن الطاقم الذي درّبه في باريس، مديرالقسم العربي لقناة "يورونيوز"، رياض معسعس، لم يبقَ منه سوى صحافية واحدة، من أصل ثمانية صحافيين.

قبل ذلك التاريخ، بما يزيد على العام، حضرت فكرة الراديو في ذهن شباب متطوع، وهُم: الإعلامية مها سبلاني، والكاتب حسام الدين محمد، إضافة الى الصحافية أنمار حجازي والصحافي عمر الأسعد، الذين عملوا مع العديد من المنظمات مثل "مراسلون بلا حدود"، و"معهد صحافة الحرب والسلام"، و"الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان" و"قناة فرنسا الدولية" وغيرها.. بدأوا بتنظيم اجتماعات دورية، لتأسيس مؤسسة تعمل على تطوير العمل الإعلامي السوري، وتتضمن راديو يعبّر عن مأساة السوريين وقصصهم في ظل الثورة.

تطور العمل لاحقاً، وتشابكت الخيوط حتى انضمت منظمة "دعم الإعلام الدولي" الدنماركية لفريق المانحين، مصطحبة معها المديرة الحالية للراديو، الإعلامية لينا الشواف، كمستشارة، والتي ما لبثت أن أصبحت مديرة المشروع الذي انحصر في راديو يتخذ من باريس مقراً له.

القائمون على الفكرة انسحبوا بشكل تدريجي قبل انطلاق الراديو، أما الصحافية حجازي فكانت آخرهم، وتقول لـ"المدن": "منذ البداية كنت رافضة لجعل الشواف مديرة للراديو لأنها قادمة من راديو آرابيسك المخصص للأغاني والبعيد من العمل الصحافي"، وتضيف: "الإدارة الجديدة لا تحقق الأهداف التي عملنا على تأسيسها وأخذنا التمويل على أساسها".

الخلافات الداخلية في "روزنة" عادت الى الظهور من جديد. هذه المرة تكللت بانسحاب جماعي من العمل، تم الإعلان عنه في بيان نشر في مواقع التواصل الاجتماعي، وأُرسل إلى العديد من المنظمات. البيان اختُصر في نقطتين: الأولى، أن المؤسسة انحرفت عن مسارها بنشر مقالات تمسّ الذات الإلهية وتحرّف القرآن ولا ترتبط بالشأن السوري أو معاناته، في إشارة إلى ما نشر على الموقع من مقالات للكاتبة عفراء جلبي، ومقال بعنوان "بسم الله الرحمنة الرحيمة"، وطالبت به الكاتبة بتأنيث الله، علماً أن جلبي سبق لها أن ألقت خطبة العيد في تورنتو-كندا وأمَّت المصلّين.

أما النقطة الثانية التي حملها البيان، فهي وجود صحافيين يعملون في "روزنة"، وفي الوقت ذاته يعملون لدى وسائل إعلام تدعم النظام السوري، وبأن أحدهم تمت دعوته لحضور ورشة تدريبية من دون الأخذ بالاعتبار سلامة وأمن الصحافيين المعارضين للنظام، خصوصاً أن بعضهم ينشرون تقاريرهم بأسماء مستعارة.

واحتوى البيان على عبارة باللهجة الدارجة وجّهت للصحافيين العاملين في الراديو: "اللي ما بدو في 100 مؤسسة إعلامية ثانية تمثلكم، وثورجية وما أحلاها".. وذلك بعدما حاول البعض منهم تصحيح مسار الراديو، حسبما جاء في بيان المستقيلين.

مديرة "روزنة"، لينا الشواف، لم تعلّق على الانسحاب الجماعي الأخير، وتؤكد لـ"المدن": "لا أريد الدخول في المهاترات والتعقيب عليها.. هم لن يقتنعوا ونحن لم نقتنع، فلماذا نتعب أنفسنا؟"، مشيرة الى أن معظم المنسحبين "ليسوا موظفين في الاذاعة، لأن أربعة منهم فري لانس".

لكن اعتراض الصحافيين، ينطلق من وجهة نظر مغايرة. يقول الصحافي باسل حسن، أحد الموقّعين على بيان الاستقالة الجماعية من "روزنة" لـ"المدن": "الاعتراض على مقالة عفراء لا يخص حرية الرأي والتعبير، إنما فائدة هذا المقال وعلاقته بالشأن السوري، والأهم من ذلك كله سلامتنا في الداخل.. إضافة الى أن المقال نُشر في موقع روزنة مع تعليق (قراءة ممتعة)، وهذا استفزاز صريح". ويضيف: "قمت مع 15 مراسلاً بالاحتجاج، وضربت الإدارة مطلبنا بعرض الحائط.. وكأن الراديو عبارة عن ملكية خاصة وليست فريق عمل متكامل".

وعن قضية مراسلين يعملون لدى وسائل إعلام مؤيدة للنظام السوري، وانضموا إلى "روزنة"، يقول حسن: "هناك صحافي يعمل مع إذاعة "شام إف أم" المؤيدة للنظام.. وهناك صحافي يعمل في راديو آرابيسك، حضر احدى ورشات العمل التي أعدها الراديو، كمدرّب". 


المدن 

السبت، 28 مارس 2015

الصحافي الفرنسي المحرر من "داعش" لـ"المدن":إسقاط الأسد مازال أولوية



أشهُر الإعتقال في سجون تنظيم "داعش"، لم تبدّل في مواقف الصحافي الفرنسي بيار توريس تجاه نظام الرئيس السوري بشار الأسد. لا يزال مقتنعاً بأن الأسد يجب أن يُعزل عن السلطة، وأن تنظيم "داعش"، "متمكّن من الناحية الدعائية، ما يؤهله لاستخدام ممارساته لتلميع صورته، أو ترهيب الآخرين، أو توجيه رسائل للمخابرات الأميركية بأنها فشلت في التعامل معه".
في أول حوار له مع وسيلة إعلام عربية، يتحدث بيار لـ"المدن" عن ظروف اعتقاله، والإفراج عنه، وتجربته في السجن، نافياً في الوقت نفسه معرفته بأن تكون هناك فدية دُفعت لقاء الإفراج عنه وثلاثة آخرين من مواطنيه من سجون "داعش" العام الماضي. 
بيار توريس في هذا الحوار مع "المدن":
*ما الذي دفعك للذهاب إلى سوريا؟
- بداية كنت في ليبيا، وشهدت الأحداث هناك وانهيار النظام الليبي، وهو ما دفعني أيضاً لانتهاز هذه اللحظات التاريخية التي يعيشها العالم العربي فذهبت إلى سوريا، لأعيش تفاصيل الأحداث السورية وسقوط نظام بشار الأسد. تجربتي في سوريا مثل تجربة الكثير من الشباب السوري الذين وثّقوا ما يحدث بالتدوين أو التصوير، وفي ما بعد أصبحوا صحافيين ينشرون موادهم في قناتي "الجزيرة" و"العربية"، وأنا لدي التجربة نفسها مع وكالة "الصحافة الفرنسية".

*متى وصلت إلى مدينة الرقة، وهل رأيتَ فيها ما فاجَأك؟
- وصلتُ إلى مدينة الرقة في أيار/مايو 2013 وكانت تحت سيطرة جبهة النصرة. لم يكن أحد يعتقد أنه سيجد الأوضاع الأمنية متدهورة بهذا الشكل. وما فاجأني في المدينة أني وجدت حراكاً ثقافياً وناشطين وكتّاباً، وجمعيات مثل "شباب الرقة الحر"، و"حقنا"، و"الجمعية النسائية - جنى"، وجمعية "أحفاد الرشيد" التي كانت لدي علاقة جيدة مع شبابها، كما وجدت العديد من الصحف التي تصدر هناك.

*ماذا عملت في الرقة تحديداً؟
- لم تكن لي وظيفة رسمية في الرقة، لكني كنت أفكر بشيء ذكي يمكن أن أقوم به في الرقة! ووقتها لم تكن هناك حرب بين النصرة وأحرار الشام أو بقية الفصائل.. لكني لاحظت أن أحرار الشام كانت الأكثر نشاطاً في الساحة السياسية، كذلك لم يكن الحراك المدني منسجماً بعضه مع بعض وكان فوضوياً. وبصفتي أجنبياً، لم أكن أفكر في الدخول في النضال السياسي، لأن الرقة منطقة نائية، ومن الصعب حتى على السوريين من خارج الرقة أن ينخرطوا في النشاط السياسي. وبصفتي فرنسياً، وسوريا بلد استُعمر في السابق من فرنسا، كنتُ أعلم أني أمثل المحتل السابق، وبالتالي سيكون لتدخلي في المجال السياسي تأويلات كثيرة، وفي ذلك الوقت كانت الطائرات بلا طيار تلحق في سماء المدينة. والكل يعلم أن هذه الطائرات تمثل التدخل الغربي.

* (مقاطعاً) هل كانت طائرات من دون طيار تحلق في سماء المدينة في ذلك الوقت؟

- نعم، في أيار/مايو 2013 كانت هناك طائرات بلا طيار، قبل حتى ظهور تنظيم داعش في سوريا.
(ويكمل إجابته الأولى): لذلك فكرت بثلاثة أشياء مهمة، هي إعطاء العون والتوصيات للمواطنين في كيفية النشاط المدني، وإنشاء منظمة غير دولية في هذا المجال. كذلك توعية أهل الرقة على ما يحدث في مدينتهم لأني دُهشت لعدم تواصل السكان مع أحداث مدينتهم، وبأن الكثير من الصحف لا تصل لكل الناس ولا تغطي كل ما يحدث في المدينة.
كان لدي صديقان من الرقة وكانا محاميًين، يطبعان صحيفة موالية لتنظيم أحرار الشام، وهي صحيفة لم تكن للمثقفيين بسبب توجهاتها الإسلامية، وقمت برسم كاريكاتير لهذه الصحيفة، حاولت أن أجعله كاريكاتيراً معبراً، كذلك كان لدي صديق دكتور طرحت عليه فكرة ترجمة مقال لينشر في صحف الرقة عن كيفية اسعمال الأسلحة، لأني لاحظت أن البعض يطلق الرصاص على سبيل اللهو والاحتفال بالنصر ما راح ضحيته أطفال، إلا أنني قبل أن أنهي المقال كنت قد أختُطفت.

*هل جاء عملك في الرقة بشكل فردي أم لصالح جهة ما أو منظمة ما؟
- لا، كانت مجرد هواية فردية، ولم أكن تابعاً لأي منظمة، كنت أود الكتابة في صحف غربية لوضع الأمور في سياقها الصحيح، لأن الكثير من هذه الصحف يجهل الواقع ويستقي معلوماته من مواقع الانترنت التي يقول فيها الاسلاميون أن المدينة تحت سيطرتهم، وهو ملا يكون صحيحاً. وكنت قد أرسلت مقالاً لصديقين لقراءة وتصحيح المقال، وأخذ التوصيات الصحافية منهما، لكن بعد انجاز المقال اختُطفت قبل ارساله لأحدى الصحف.

*وماذا عن عمل زملائك نيكولاس والآخرين؟
- زملائي كانوا صحافيين محترفيين، على العكس مني، وكانوا أقل نشاطاً وانخراطاً في العمل المدني، زملائي كانوا محايدين، أما أنا، فلا.

*هل وُجّهت لك تهديدات قبل عملية اختطافك؟

- الناشطون المدنيون كانوا يرحبون بي، وكنت أسكن بيوتهم، والعديد منهم عرض علي الإقامة في منزله، كذلك في البداية لم يسمحوا لي بدفع النقود في المقهى أو المطعم، ولاحقاً أصبحت أدفع خفية وأذهب لشراء الحاجيات لوحدي. لم تُوجَّه لي تهديدات، لكن بعد اختطاف المحامي عبدالله الخليل، وجّه لي أحد الأصدقاء تحذيراً بأني سأكون الهدف المقبل.

تفاصيل الإختطاف

* متى حدث اختطافك؟ وهل سبق اختطاف زملائك أم تبعه؟
- اختطفت في 23 حزيران/يونيو 2013، الرابعة والنصف مساءً، في أحد شوارع مدينة الرقة، أما عمليات الإختطاف لعشرين صحافي وناشط غربي فجاءت مختلفة.

* هل كل عمليات الخطف جاءت من قبل تنظيم داعش؟

- نعم كلها كانت من قبل التنظيم.

* هل خُطف أحد من السوريين الذين قاموا باستقبالك؟

- لا لم يحدث، اختُطفت لوحدي من أحد شوارع المدينة.

*هلّا حدّثتنا عن لحظة اختطافك حتى وصولك للسجن؟
- كانت مرحلة قصيرة جداً، نصف ساعة بين اختطافي ووصولي إلى السجن، كنت أسير في الشارع فتوقفت سيارة ونزل منها عدد من المسلحين الملثمين، أعتقد كانوا خمسة، ودفعوني بالقوة بعدما قاومتهم إلى داخل السيارة، رفعوا يديّ وجلس أحدهم فوقي، وسارت السيارة بشكل مستقيم ومرت من فوق الجسر الفرنسي (الجسر القديم) في الرقة، حيث كان حاجز لجبهة النصرة، وواصلا الطريق بعدما تحدثا مع الحاجز بالعربية من دون أن يوقفوهم، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك فرق بين النصرة وداعش.
عندما وصلنا كان رأسي مغطى، لكني علمت أننا في الصحراء من خلال صوت الريح، وكنت أنزف بشدة بسبب تعرضي للضرب عقب مقاومتهم، حتى أنهم لم يعتقدوا بأن وضعي سيكون بهذا السوء، فجاء رجل وقال لي بأني سأخرج غداً، لكن خشيتي تضاعفت بعدما سمعت حديثه.

* لماذا لم تطمئن بعد حديث الرجل؟
- لأني اعتبرتها استراتيجية معاكسة لما يخبئونه لي. وكنت استبعد الإفراج عني، لأن النصرة لم تكن تعترف بعمليات الخطف، أمام الاحتجاجات التي تحدث في المدينة، وهو ما سأقوم بتأكيده إذا أُفرج عني.

*هل كنتَ خائفاً من أن تُقتل؟
- باعتبار أني كنت منخرطاً مع الناشطين المدنيين والذين ينضمون الاحتجاجات ضد المتطرفين، كنت أخشى تعذيبي للحصول على أسمائهم وأنشطتهم والمعلومات التي تخصهم. كذلك كان بجوار زنزانتي، زنازين لمعتقلين سوريين، وكنت أسمع أصوات تعذيبهم ونقلهم إلى زنازينهم لعدم قدرتهم على المشي بعد التعذيب، وصعوبة بالتنفس عقب التعذيب، كذلك سمعت أصوات قتل بالرصاص تعقب عمليات التعذيب.
لاحقاً، سألوني وعلمت أنهم يعتقدون بأني صحافي مهم، سألوني إذا ما كنت مقرباً من الحكومة الفرنسية وإن كانت ستدفع فدية للإفراج عني، فأجبتهم أن الاليزيه لن يدفع وبأني غير مقرب منه. بعد ذلك علمت أنهم غير مهتمين بالمعلومات التي تخص الناشطين وبأنهم مجرد لصوص يبحثون عن المال، لذلك اعتقدت أنهم سيقتلوني لأن غير مهم لدى الحكومة الفرنسية.

* هل تعرضت للتعذيب أثناء التحقيق؟
- تعرضت للضرب لكني لم أتعرض للتعذيب، ومقارنة بما سمعته من أصوات تعذيب لم أتعرض لشيء..

* ماذا حدث معك لاحقاً؟
- لاحقاً، تنقلت بين عشرة سجون، بين حلب والرقة، كذلك أعتقد أني نقلت إلى أحد سجون أدلب.

* هل كانت عمليات التبديل للسجون منتظمة في أوقات محددة أم أنها جاءت لأسباب أخرى؟
- لم تكن عمليات التبديل منتظمة في وقت محدد، لكن في ريف حلب وجدتهم قد هيّأوا فيللا كبيرة كسجن لنا، نحن السجناء الأوروبيين، لكننا لم نبق طويلاً في تلك الفيللا بسبب هجوم "الجيش الحر" على "داعش"، في العام 2014، فوضعونا في شاحنات، مع العديد من السجناء الآخرين، لإعادتنا إلى الرقة، وكان معنا في سيارات أخرى، نساء وأطفال أعضاء التنظيم الذين رافقونا أثناء عملية النقل.

تنقّل بين السجون

* في أي مكان كانت إقامتك أطول؟- أكثر مكان بقينا فيه بمدينة حلب، هو الشيخ نجار، حيث بقينا أربعة أشهر، وقبله مستشفى العيون بحلب حيث بقينا شهرين.

* أثناء ذلك، هل اهتم بك عناصر التنظيم أكثر من السجناء السوريين، أم أنكم تتلقون المعاملة ذاتها؟

- المعاملة كانت مختلفة باختلاف خلفية السجين، المعاملة الأفضل كانت للسجناء المنتمين لتنظيم "داعش" والذين ارتكبوا مخالفات أو صرّحوا بأشياء ضد الخليفة، لذلك إذا قارنت وضعي بهؤلاء فوضعي أسوأ.
كذلك كان هناك سجناء ارتكبوا مخالفات كالتدخين وسماع الموسيقى، وكانوا يُجلدون ويدفعون غرامة تقدر بمئتي دولار ثم يخرجون، وهؤلاء لم يعانوا الجوع كما عانيناه نحن، حيث بقيت في فترات سابقة لمدة أسبوع بلا طعام حتى أصبحت فخذي كساعدي لشدة ما خسرت من وزني.

* هل حقّق معك أحد يتحدث الفرنسية؟- نعم بالطبع، كان هناك أربعة فرنسيين، والعديد من السجانين الذين يتحدثون الفرنسية، لأنهم يتحدرون من بلدان فرانكفونية، فالعديد من المجاهدين قدِموا من بلجيكا وتونس وفرنسا.

* هل طلبت من المتحدثين بالفرنسة طعاماً؟ وهل كانوا أفضل في التعامل معك؟
- كانوا المتحدثون باللغة الفرنسية، الأكثر شدة في التعامل معنا، حتى أن التونسيين كانوا أقل شدة من الفرنسيين.

* هل دعوك إلى الإسلام؟
- كثيراً ما كانوا يدعونني للإسلام. أنا في الأصل ملحد، لكني لم أتجرأ على قول ذلك، خفتُ أن يستبب البوح بذلك في قتلي، لذلك كنت أقول لهم بأني مسيحي.

* هل قضيت كل تلك الفترة لوحدك؟ أم وضعوك مع المخطوفين الأوروبيين الآخرين؟

- في الأسبوعين الأولين، بقيتُ لوحدي، ثم وضعوني مع نيكولاس، ولاحقاً انضممنا إلى غرفة جماعية، وكان معنا سجناء غربيون حتى وصل عددنا إلى عشرين معتقل، وكنا كلنا غربيين أوروبيين وأميركيين.

* هل كان الصحافيون المقتولون معك في الغرفة ذاتها؟

- نعم، جيمس فولي، ستيفان سوتلاف، بيتر كاسيك، وستيفان سوتلاف هو أميركي إسرائيلي. لكنه لم يصرح بجنسيته الاسرائيلية وقتلوه من دون معرفتهم بذلك.

مكاسب فرنسية

* كيف تم الإفراج عنكم؟

- بداية، طلبوا منا الخروج من السجن، وعند باب السجن قالوا لنا بأننا أحرار، ثم وضعونا في سيارة، واتجهنا إلى الحدود التركية، وساروا حتى وصلوا الى نقطة مشاهدة الجنود الأتراك بعدما تحدثوا معهم. كان الجنود الأتراك في الطرف السوري، ثم أفرجوا عنا وذهبنا إليهم، ثم سلمنا الجنود الأتراك إلى الشرطة التركية ولم تكن معنا جوازات سفر، وكنا أربعة فرنسيين، أنا ونيكولاس وفرانسوا وإدوارد الياس.

* هل كانت حكومة هولاند تبحث عن مكسب سياسي بالإفراج عنكم؟

- بالطبع، هناك مكسب سياسي تحقق، ومكاسب إعلامية، لكن هناك عوامل أخرى أيضاً.

* هل تعتقد أن حكومة فرانسوا هولاند مهتمة بالفرنسيين المسلمين الذين يقاتلون في صفوف "داعش" وتسعى لاعادتهم؟


- لستُ في مكان يؤهلني للإجابة على سؤالك.

* أريد رأيك..

- رأيي أن الأشخاص الذين ذهبوا إلى سوريا العام 2013 لم تكن نواياهم سيئة في البداية، لكن مع مرور الأيام ارتكبوا جرائم وأعمالاً شنيعة، وبالتالي تصعب المطالبة بإعادتهم إلى فرنسا وكذلك إعادة تأهيلهم. كما أن هؤلاء قتلوا الكثير من أصدقائي لذلك سيكون من الصعب أن أدافع عن مجرمين، حتى لو عُذبوا لن أدافع عنهم، رغم أني ضد التعذيب.
كذلك لن أدافع عن المخابرات الفرنسية وأجندتها، خصوصاً الداخلية منها، لأنها برأيي تنظيم عسكري، وفي الصراع ما بين الجهاديين الفرنسيين والدولة الفرنسية ومخابراتها، أريد أن أبقى محايداً، ولن أدخل في هذا الإشكال. موقفي كموقفك من داعش وبشار الأسد، فالاختيار بينهما كالاختيار بين الكوليرا والطاعون.

* اتهمك "داعش" بأنك جاسوس للمخابرات الفرنسية؟

- الاتهام غير صحيح وهي تهمة رخيصة. فأنا لدي أخ ألقي القبض عليه من قبل جهاز محاربة الإرهاب في فرنسا، حتى أنا تحت المراقبة من طرف المخابرات الفرنسية، بالتالي هذه المخابرات تظن أنني أميل الى جانب الإرهابيين أكثر من كوني إلى جانب الدولة الفرنسية.
وقصة أخي نشرت في الانترنت ويمكن الإطلاع عليها.

* هل ترى أن عائلتك ليست على علاقة جيدة مع المخابرات الفرنسية؟

- نعم، هذا صحيح، والعلاقة بين عائلتي والمخابرات الفرنسية متوترة، والكثير من الناس يعتقدون أن المخابرات وجدت للتفتيش والتحقيق حول جنسيات ذات أصول عربية وإسلامية تعيش هنا، وبأنها لا تلاحق الفرنسيين البيض، لكن هذا غير صحيح، فهي تلاحقهم وتعتقلهم أيضاً.

قتل الصحافيين
* الصحافيون الذين كانوا سجناء معك وقتلوا لاحقاً، هل طلبوا منك أشياء خاصة في حال خرجتَ قبلهم، كأن تتواصل مع أهلهم وتخبرهم بشيء محدد أو أن تقوم بعمل محدد؟
- نعم، طلبوا مني نقل أخبار عنهم لعائلاتهم.

* كيف كانت ردة فعلك عندما رأيتهم يقتلون لاحقاً؟

- أنا حزين لمقتلهم، وقتلهم جاء لإهانة المخابرات الأمريكية المعروفة بقوتها، مقارنة مع المخابرات الفرنسية التي استطاعت تحريرهم رغم قلة إمكاناتها مقارنة بالأميركية، حتى أن بعض المنظمات الغربية استطاعت أن تحرر أشخاصاً، وثمة أناس تفاوضوا مع داعش وحرروا أقاربهم، بالتالي جاء الإعدام بمثابة إهانة للمخابرات الأميركية.

* نشرت مجلة فوكس (Focus) الألمانية تقريراً يفيد بأن الحكومة الفرنسية دفعت لتنظيم داعش 18 مليون دولار مقابل الإفراج عنكم، ما تعليقك؟
- هولاند شخصياً قال لنا أن تحريرنا لم يكن مقابل فدية، وأنا أعتقد أن هذا حقيقي. الأشخاص الذين قاموا بالمحادثات، لهم دراية وذكاء في التفاوض، أما الطريقة التي حُرّروا بها فلا تعنيه.

* بعد عودتك إلى فرنسا، هل ما زلت مصرّاً، كما قُلت، على مبدأ إسقاط نظام بشار الأسد؟

- نعم، إسقاط نظام الأسد أولوية، وعلى الأطراف السورية الثائرة أن تتحد لتكون أكثر جدية في إسقاط هذا النظام، ولا يمكنني أن أحث القوات الغربية للتدخل من أجل إسقاط نظام الأسد، بقدر ما أتمنى أن تتضافر جهود السوريين وتُنظّم بجدية لإسقاطه.


المدن 

الثلاثاء، 17 مارس 2015

هيا العلي: "متمردة من الرقة".. بكاميرا خفية



عرضت سينما "لارلوكان"، في باريس، أمس، فيلم "متمردة من الرقة" من إنتاج قناة "فرانس 24" قبل عرضه على شاشات القناة في 21 آذار/مارس الجاري.

والفيلم يسلط الضوء على فتاة رقاوية عادت إلى مدينتها بعدما أحكم تنظيم "داعش" سيطرته على كافة تفاصيلها، موثّقة ما يحدث هناك بكاميرا خفية. واللقطات التي عرضت أجزاء منها قبل أشهر، من دون الكشف عن هوية الفتاة المنقبة "رزان"، أثارت الجدل في الأوساط الفرنسية، لا سيما تسجيل حوار عفوي يدور في أحد مقاهي الانترنت بالرقة، بين فتاة فرنسية انضمت إلى "داعش" ووالدتها التي تتحدث معها من فرنسا وهي تبكي.



يبدأ فيلم "متمردة من الرقة"، بمقاطع صوّرت بالكاميرا المخفية من داخل المدينة، تبعه حوار مع "رزان" على قناة "الجديد" عبر الأقمار الصناعية، لينتقل التصوير إلى "بيت الصحافيين" في باريس، مميطاً اللثام عن هيا العلي، لتظهر الشخصية والاسم الحقيقي لـ"رزان"، وهي فتاة في العشرينات من عمرها بوجه حنطي وشعر أسود، وهي ملامح لا يمكن أن يتوقعها مَن رأى عبر النقاب عيني "رزان" الخضراوين، فبدا الفرق جلياً، لمن لا يعرف هيا العلي، بين الصورة المتخيلة لما يخفيه النقاب والصورة الحقيقية لمن "تعيش" خلفه.

وينتقل الفيلم لاحقاً إلى تُظهرها في أماكن مختلفة في باريس، قبل أن تعود للتحدث عن استدعائها من قبل الأجهزة الأمنية للنظام السوري، بعد مشاركتها في تظاهرات الثورة السورية بمدينة الرقة. ثم تتحدث عن كيفية اكتشاف "داعش" لشخصيتها المنقبة سابقاً، وكيف توجهت، بسبب ذلك/ من تركيا إلى فرنسا، حيث تظهر في لقطة أمام مبنى المحكمة المعنية بمنح اللجوء على الأراضي الفرنسية، قبل تسليم جواز سفرها، وهي تبكي وتقول: "هذه آخر وثيقة سورية لدي سأسلمها الآن".

الفيلم، وإن صوّرت غالبية مشاهده في باريس، جاء مفعماً بالتراث الفراتي الموسيقي والذي شكل الخلفية الموسيقية للمَشاهد، خصوصاً تلك التي تصور نظرات تائهة تبحث عن وطن.
الجديد في الفيلم، من حيث التصوير، وفي الرقة تحديداً، هو التظاهرات التي شاركت فيها العلي ضد تنظيم "داعش" قبل سيطرته على المدينة. ويظهر هذا الجزء بعد أن يأتي صديقها الناشط، محمد شعيب، من ألمانيا، لزيارتها في باريس. فيتحدثان عن مدينتهما، وتظهر صور التظاهرات ضد التنظيم، خصوصاً تلك التي أعقبت تحطيم "داعش" لرموز كنيسة البشارة في الرقة.

يتحدث شعيب، المعتقل السابق لدى "داعش"، عن التعذيب البشع الذي تعرض له، وتسأله العلي عن المدة الزمنية للتعذيب، فيجيب: "فقدتُ وعيي واستمروا في ضربي.. لذلك لا أعلم كم استمر التعذيب.."، ويتوقف عن الحديث، ويبكي.

عقب عرض الفيلم، الذي ينتهي بلقطة لهيا العلي ومحمد شعيب وهما يمشيان بمحاذاة نهر السين، فُتح الباب لأسئلة الصحافيين، ولعل أبرز الأسئلة التي وجهت إلى العلي هي: في حال خُيِّرتِ بين تنظيم "داعش" ونظام الأسد ماذا ستختارين؟ لتجيب بأنها ليست ضليعة في السياسة، لكنها بالطبع لن تكون مع الأسد، الأمر الذي أعقبه تصفيق حار من الحضور. فيما فضّل محمد شعيب الإجابة عن السؤال ذاته بصورة أخرى، معتبراً أن حصر الشعب السوري بين خيارين، كل منهما أسوأ من الثاني هو أمر غريب! متسائلاً: لماذا لا يكون هناك خيار ثالث؟

وطرحت "المدن"، خلال النقاش، سؤالاً حول غياب لقطات جديدة بالكاميرا المخفية لمدينة الرقة تحت سيطرة "داعش"، فأجاب مدير "فرانس 24" مارك صيقلي بأن الفيلم جاء فقط لكشف هوية "رزان" الحقيقية، وتصوير حياتها في فرنسا.

ولاحقاً، أعادت "المدن" طرح السؤال على هيا العلي، فأجابت: "هناك فيلم آخر سيركز على تنظيم داعش وسيظهر المقاطع التي لم تُعرض بعد". وعن منزلها في مدينة الرقة الذي صادرته "داعش" لإسكان عائلة صينية مهاجرة، وفيما إذا أحست بالندم في ما بعد، قالت العلي: "لم أكن أفكر في العواقب، ولم أكن حتى أتوقعها، لكني غير شاعرة بالندم، فقط شعرتُ بالمسؤولية تجاه عائلتي".

المدن 

الخميس، 12 فبراير 2015

دومانيات


1/
أثناء زيارة قمت بها لصديق بمدينة دوما، وفي الليل ونحن نشرب الشاي في مكتبته المغلقة بسبب إضراب عام، أذاع الجامع أسماء شهداء ذلك اليوم في المدينة، توقف صديقي وهو يتنهد ويغالب البكاء بعد أن سمع اسم زميله في الدراسة، من بين الأسماء التي استشهدت.
بعدها بدقائق بدأت التكبيرات، وسرعان ما انطلقت مظاهرة أمام الجامع الكبير، خرجنا متجهين للمظاهرة وفي الطريق أخبرني صديقي عدة تعليمات، أن لا أصور وجه أحدهم أن لا أنظر بوجهه مطولاً.. الخ، وصلنا وهتفنا مع المتظاهرين وصفقنا وشتمنا الأسد وشبيحته، أخرجنا ما اعتمل بداخلنا بصوت عالي وجماعي وكأننا ننتقم للشهداء.
في طريق العودة كنت أقول له لماذا أنتم الدوامنة أجسادكم صغيرة؟ كنت أتخيلكم عمالقة لكثرة ما سمعت عنكم ومراجلكم، وهو يضحك ويقول المراجل بالقلوب وليست بالأجساد.
وبعد أن اجتزنا سجن النساء المحترق، متجهين لدوار البلدية وبمحاذاة حائط المستشفى، سمعنا صوت فرقعة عالي ورأيت لمعة على الرصيف، اعتقدت أن شيئاً انفجر في حاويات القمامة التي أحرقها الشباب، وجعلوا منها حواجز أمام عناصر الأمن والشبيحة، وبأن الضوء الذي لمع هو انعكاس لما انفجر بداخل الحاويات، وقفت أنظر للخلف حتى سحبني صديقي وأجبرني على الجلوس، جلست القرفصاء معه وعلمت أن أحد جنود النظام استهدفنا برصاص بندقيته، وأن ما لمع على الرصيف الرصاصات التي لم تصبنا، وليس انعكاس الضوء.
للحظة تسائلت" هل سأموت!؟" في حين راح الشباب الذي شكل حاجز بين قوات النظام والمظاهرة، يصرخون من خلف الجدار ويشتمون المجند لإلهائه عنا.
بمحاذاة الجدار وتحت جنح الظلام انطلقنا نركض بسرعة ورؤسنا وأجسادنا محنية، حتى دخلنا سجن النساء المهجور، قفزنا ما بين غرفة الكهرباء وجدار السجن من مساحة ضيقة إلى الشارع الخلفي، ومن خلف حاويات القمامة عدنا للمتظاهريين الذين استقبلونا باللوم على ذهابنا بهذا الشكل.
لاحقاً أصر صديقي على الذهاب إلى منزلهم في شارع الكورنيش من طريق آخر، فقلت له يبدو أن هذا الطريق أكثر خطورة من سابقه لن أدخل به، وأثناء تحدثي معه بدأ أحد الجنود بإطلاق الرصاص على الواقفين في أول الطريق بمحاذاتنا، فنظرت له وعيناي تقولان: ألم أقل لك!
عدنا إلى المنزل من طريق آخر ملتوي وبعيد، وصلنا حيث كانت الكهرباء مقطوعة وأشعلنا الصوبيا لتقينا البرد وجلسنا بجوارها على ضوء الشمعة، تحدثنا كثيراً ثم مارست هوايتي وقرأت فنجانه، لكني لم أقل له أنك ستنتقل للعيش في روسيا! كان فنجانه أيضاً يتحدث عن سقوط الأسد.


2/
في الشهر الخامس من العام 2011 كنت سجيناً بفرع أمن الدولة كفر سوسة، ومن بين السجناء كان هناك رجل خمسيني يكنا" أبو خالد" ينحدر من مدينة دوما، أبو خالد ناصري الهوى مهندس ألقي عليه القبض كمتظاهر، وبالرغم من عمره ومكانته إلا أن العسكر مارسوا بحقه الضرب والتعذيب بقصد إذلاله؛ خرجت من المعتقل وبعد فترة طويلة كنت في زيارة لمدينة دوما، وأثناء حديثي مع صديق عن أمن الدولة تذكرت أبو خالد، حصلت على رقمه في حينها وأتصلت به على الفور، تحدثت معه لدقائق وطلبت رؤيته، فأعتذر لأنه مشغول ولا يستطيع رؤيتي بعد أن تذكرني على الفور وسألني قبل ذلك أين أنت الآن؟!
بعد أقل من ربع ساعة اتصل بي رقم لا أعرفه، رددت فسمعت صوت رجل يطلب مني الخروج من مكاني إلى الشارع، خرجت لأجد سيارة واقفة بمحاذاة الرصيف، طلب مني السائق أن أركب معه فركبت، وانطلقت السيارة مسرعة بشوارع دوما، وبحسب ما أذكره أننا نزلنا وصعدنا بسيارة أخرى، انطلقت السيارة الأخرى لمسافة زمنية قصيرة قبل أن تتوقف ويصعد أبو خالد، والذي بادرني بالإعتذار لأنه مطارد ولابد له من التأكد، ليس مني إنما من أنه لا يتم استخدامي كطعم من قبل الأمن السوري كعادته، فأجبته بأن قلقه مبرر وأنا أرد على ترحيبه الحار، ذهبنا لبيت في المدينة وجلسنا نتحدث عن ذكريات الفرع المؤلمة ونتبادل أخبار بقية السجناء، جلسنا لما يقارب الساعة، وقبل أن أغادر اعتذر أبو خالد لأنه لم يقدم لي شيئاً كضيافة، وشرح لي أن منزله الحقيقي مراقب وبأن هذا المنزل البعيد عن الشبهات ليس له، بعدها كنت أتتبع أخبار أبو خالد، فعلمت أن أبنه خالد طالب كلية الطب والذي لا أعرفه ولم يسبق لي أن ألتقي به، قد اعتقل!


3/
بعد مظاهرات دوما التي قابلها النظام السوري بالعنف والرصاص الحي، ظهر الجيش الحر والذي حرر المدينة في بدايات العام 2012، فخرجت أكبر المظاهرات في المدينة والتي قدرت بمئتي ألف متظاهر بحماية الجيش الحر، بعد تلك المظاهرة زارني صديقي الدوماني حيث كنت أسكن بمزة جبل في دمشق، وأخبرني أنها حررت بالكامل ودعاني لزيارتها، والحقيقة التي كنت أعرفها أن النظام سيحاصرها قريباً، وبأن دخولي لها في ذلك الوقت يعني البقاء بها محاصراً لفترة طويلة، لذلك لم أذهب.
فيما بعد قامت عناصر النظام بحصار المدينة وترافق ذلك مع قطع الكهرباء والسلع الغذائية عنها، ولاحقاً أصبح أبناء دوما يأتون إلى دمشق ليشتروا الخبز ويعودون إليها بين البساتين والطرق الملتوية.
في سرفيس دوار شمالي والذي يمر بمحاذاة مخابز ابن العميد، صعد أحد أبناء المدينة يحمل معه ربطات من الخبز، دار حوار سريع بيني وبينه، وسألته عن صديقي الذي لم أستطع محادثته عبر الهاتف بسبب غياب شبكة الاتصالات، فقال أنه يعرفه، وبدوري أرسلت له الكثير من السلامات وأن يبقى بخير.


4/
في باريس قالت لي فتاة إيطالية" دوماني" والتي تعني" نلتقي غداً" بلغتها، علقت الكلمة بذهني على غير عادتي في سماع الكلمات الأجنبية، لاحقاً صرت أردد لها ذات الكلمة" دوماني" عند رؤيتها، دون أن أخبرها أن دوماني في سوريا لها معنى آخر، دوماني تعني ذلك الشاب الشهم والذي لا يصبر على الظلم ورؤيته، الشاب المنحدر من المدينة التي تغنا بأمجادها العرب بعد أن وقفت في وجه الاستعمار وبقيت شوكة في حلقه، دوما ذاتها التي تباد اليوم لأنها وقفت أمام طغيان وتجبر النظام الأسدي، وصارت شوكة في حلقه.


الحوار المتمدن

الاثنين، 2 فبراير 2015

العرفان السياسي ونظرية المؤامرة

مقدمة:

قسم محمد عابد الجابري العقل العربي إلى ثلاثة أقسام: البرهاني- البياني- العرفاني؛ البرهاني الذي يعتمد التجربة والإثبات، والبياني الذي يدور في فلك اللغة؛ أما العرفاني فيعتمد على المعرفة النابعة من الذات، واصطلاحاً يعرّف العقل العرفاني" نوع خاص من الإدراك يحصل عن طريق الالتفات إلى باطن النفس (وليس عن طريق التجربة الحسية والتحليل العقلي)"
ولأن العقل العرفاني لا يقبل بالدلائل المنطقية والوقائع المحيطة به أسماه الجابري ( العقل المستقيل ).





البيان يسخر من العرفان

بقي العقل البياني سواء كان سلفياً أو أشعرياً مقيداً بالنص وتأويل النص ناظراً للعرفاني" الشيعي" باستعلاء، مصطاداً هفواته متندراً عليها ( الجمل بسنامين ظهر بعد سبي نساء آل البيت ليستر عورتهن - الشفق الأحمر عند غروب الشمس ظهر بعد مقتل الحسين - النبي إبراهيم نجا من النار لأن الحسين في صلبه ) والعديد من القصص التي إذا سمعها جمهور العرفان يكرر مندوحته" اللهم صلي على محمد وعلى.." ويتندر عليها جمهور البيان.

فالعرفان لدى الشيعة، هو حقيقة مطلقة تخص آل البيت والإمام المعصوم، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلى ذلك فكل ما في الكون إضافة للنص المقدس فيجب تأويله ليوافق هذه الحقيقة، فالقرآن لدى الشيعة له ظاهر أنيق، وباطن عميق، فيصبح المقصود بآية" مرج البحرين يلتقيان" علي وفاطمة، و" يخرج منهما اللؤلوء والمرجان" الحسن والحسين، على العكس من العقل البياني والذي يأخذ بظاهر النص (اللغة) كما أوجد ابن حزم الأندلسي المذهب الظاهري، وأنكر ابن تيمية المجاز في القرآن.






العرفان السياسي!

اليوم يبدو أن العقل البياني" السني" أصبح أكثر استهلاكاً للعرفان من" الشيعي"، فالدين لدى البيانيين تحكمه نصوص مقدسة يحتكم إليها، أما حوادث الزمان فلا نص مقدس يفسرها، فينضوي جمهور السنة للعقل العرفاني تحت مُسلّمة" الإسلام دين حق وما يصدر عنه حق وما عداه باطل وكل ما يصدر عنه باطل، ومن طبيعة الباطل (الشر) أن يكيد بالحق (الخير)"، لذلك يلجؤون لتفسير كل ما لا يفهمونه أو ما يصعب فهمه أو ما تتضارب حقيقته مع أوهامهم، بنظرية المؤامرة والتي أصبحت إمامهم ومرجعهم.

ولذلك أيضاً يفسر هذا الجمهور كل ما في الكون" البراني" بما يتناغم مع هذه الحقيقة" الجوانية"، وأكثر ما يظهر العرفان اليوم، أمام الآخر" الغربي". فهو وإن كان ديمقراطي ونحن نلجأ إليه لنعيش بكرامة ولننعم بالحرية والأمان والاستقرار بداخله، إلا أن هذا الغرب يحكم بالباطل وتجب هدايته للإسلام الذي هربنا من كل ما فعل باسمه.

وأمام النص الإسلامي المحدود والفقير (باعتباره وليد بيئة صحراوية رعوية) والذي يحتكره رجال دين منغلقين (لظروف سياسية واجتماعية) لا يجد التابع للخير"الإسلام" سوى نكران كل الأفعال الناتجة بفعل تأثير هذا النص المقدس، فالنص المقدس: تنتج عنه أفعال"كالرجم" أصبحت اليوم شر لا يمكن تبريره، وأمام سلطة هذا النص لابد من الرجوع للإمام الأعظم "المؤامرة" وبالتالي نسب الفعل لقوى الشر التي حاكتها وألصقتها بالإسلام لتشويه سمعته، فيصبح الفعل في منطقة يسيطر عليها السلفيين الذين يقاتلون نظام الأسد من فعل مخابرات الأسد! وتصبح بوكا حرام صناعة المخابرات الفرنسية، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر قام بها الموساد، والهجوم على شارلي ايبدو لا يبتعد عن هذه النظرية، حتى لو خرج من يتبناها أو أيدت شريحة واسعة من المسلمين تلك الأحداث، من المسلمين المحكومين بالنص وغير المعنيين بتطور الحس الإنساني في العالم من حولهم.





العرفان السياسي المضاد

بأشكال أخرى مختلفة، ظهرت عرفانية لدى اليساريين والممانعين، فأصبح الربيع العربي وكل أحداثه من صناعة السي آي إيه، وإن كان غير ذلك في دولة فهو كذلك في دولة أخرى!
ولعل أشد العرفانيين تغيباً ذلك الذي يعتقد أن رئيس الجمهورية إنسان جيد، وعلى ذلك هو مستعد لتفسير كل ما يراه من قمع واضطهاد وقتل وتهجير وظلم وما يسمع به وما يعيشه أيضاً، بما لا يتضاد مع معرفته الثابتة أن رئيس الجمهورية جيد! وهي الشريحة التي أسماها الشارع السوري" منحبكجية" وغالبية هذه الشريحة أو جزء كبير منها، تعتقد أن الإسلام السياسي شر مطلق، لذلك الخير كله يكمن في عدوها الذي تريد إسقاطه" رئيس الجمهورية".

وفي حين لم تشهد الثورة السورية ذات الظاهرة" منحبكجية" لشخص واحد، إلا أنها شهدت شريحة واسعة استهلكت هي الأخرى العرفان أكثر من أنصار النظام (لا شك بأن هناك تسهيلات في بداية الثورة لظهور الإسلاميين) فأصبحت داعش مجرد منفذ لأوامر الأسد.

كذلك لم يعد هذا العقل يخص المنافحين عن الإسلام ونصوصه إنما أصبح مهنة شريحة من الكتاب والصحفيين وغيرهم من المنافحين عن الحرية والديمقراطية، حتى أن "صحفي" سوري كتب مؤخراً، أن أحد صحفيي جريدة شارلي ايبدو فصل من عمله لأنه سخر من اعتناق ابن ساركوزي لليهودية! وربما لم يعلم هذا "الصحفي" أن الديانة اليهودية ليست تبشيرية، وبأن أحداً لا يمكن أن يعتنقها.






العرفان مثير للشفقة

وفر العرفان مادة كوميدية للبيان، إلا أنه اليوم يوفر نفس المادة للآخر الغربي، فالمسلمين الذين بحثوا في الصور والفيديوهات ليثبتوا تورط المخابرات الفرنسية بحادثة شارلي ايبدو، حالهم أمام الفرنسي كحال الشيعي الذي يتحدث عن قضية الشفق الأحمر الذي ظهر بعد مقتل الحسين للسني. أقصد أن الشعور لدى الإثنين واحد، وإن احتوى على شفقة أكبر لدى الغربي، على عكس النظرة الخالية من الشفقة للشيعي والمختلطة بمشاعر الكراهية.

ولا يمكن بالطبع هنا الاكتفاء بضرب مثال على حدث سياسي أمام آخر طبيعي، لكن العقل العربي اليوم والذي يمتهن العرفان في نظرته للغرب تحدث قبل ذلك عن أسباب مرض الايدز وبأن خلفها "السي آي إيه" كما تحدث عن انفلونزا الطيور وبأن أمريكا تقف ورائها لضرب اقتصاد آسيا، والغريب أن ذات العقل الذي يبالغ بقدرة أميركا من ناحية، يدحض قدرتها من ناحية أخرى، وباعتباره يعرف، فهو دائما ما يتنبأ بسقوط أمريكا وانهيارها، أمريكا المؤلهة التي تقف خلف كل حدث.





العرفان أكثر من يعرف الغرب

كثيرة هي الأمور والقضايا التي تم فضحها على يد الإعلاميين الغربيين، قضايا تخص الفساد وتصرفات السياسيين والصفقات السرية وغيرها، إلا أن الفضيحة المدوية الوحيدة التي لا يعرفها الفرنسيين بخبرائهم ومثقفيهم وصحفييهم وكتابهم، هي ذاتها التي يعرفها المسلم الذي يعيش في اليمن أو قرية نائية في باكستان وهي فضيحة تدبير اعتداءات مقر شارلي ايبدو!
مؤامرة ضخمة تحاك ضد الإسلام، تشبه تلك المؤامرة الكونية التي تحاك ضد نظام الممانعة في سوريا، والتي شاهدها كل أنصار النظام لكنهم لم يشاهدوا المظاهرات التي ملأت الشوارع.





العرفان يعرف أكثر من الغرب

سخر الغرب مخصصات ضخمة للعلم، من جامعات ومعاهد ومراكز أبحاث ودراسات ومختبرات وغيره، وهو الذي يعلم أن حضارته القائمة على العلم لن تستمر إلا بالعلم ذاته، إلا أن المسلمين هداهم الله إلى ما يعادل كل ذلك، وهو القرآن الذي يوجد بداخله كل ما يكتشفه الغرب، وما يعبر عنه المسلمون "بالإعجاز العلمي" لكنهم وللأسف لم يكتشفوا النظريات العلمية في القرآن قبل أن يعلن عنها الغرب، والغريب أن العقل البياني السني والذي يرفض العرفاني ولا يأخذ به لتفسير القرآن، أصبح يمتهنه فيما يخص الإعجاز العلمي، فينسفون كل ما قاله المفسرون القدماء بلحظة، في حين أن هؤلاء المفسرون لا زال تفسيرهم للقرآن هو الصحيح فيما يخص الحدود والقضايا الإقتصادية والإجتماعية وتنظيمها، وفي حين أنهم لا يقبلون أي قراءة أخرى لهذه النصوص خارج القراءة القديمة والتي لم تخلو من إملاءات الظروف السياسية لذلك الزمن.





أخيراً: أود الإعتراض على الجابري والذي أسمى هذا العقل بـ " العقل المستقيل"، وإنطلاقاً من نظرة الغرب لهذا العقل، وكما عبر لي العديد من الأصدقاء الفرنسيين، سأسميه بالعقل المثير للشفقة.






المصدر: الحوار المتمدن

الأربعاء، 21 يناير 2015

انتعاشات العالم العربي صورة مغايرة من باريس




تحت عنوان انتعاشات العالم العربي افتتح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قبل اسبوع في معهد العالم العربي بباريس أعمال المؤتمر الذي استمر ليومين، وأكد هولاند خلال كلمته الافتتاحية أن المسلمين هم أول ضحايا الإرهاب قبل غيرهم، وعن أسباب التطرف أشار قائلاً" المتطرفون يتغذون من كل النزاعات والقضايا التي لم تتم تسويتها حتى الآن".


بالإضافة لذلك كان هناك كلمتين لكل من لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا، وجاك لانغ رئيس معهد العالم العربي؛ اللافت أن كلمة هولاند والتي عبر فيها عن أسباب سياسية واقتصادية تغذي التطرف حضيت بإشادة الحضور في أحاديثهم الجانبية، لكن البعض رأى أنها جاءت متأخرة.



المؤتمر والذي يسلط الضوء على النقاط الإيجابية في العالم العربي ويسعى لإظهار صورة مختلفة عن تلك الصورة النمطية، تم التحضير له قبل الاعتداء الذي شهدته باريس على مقر جريدة شارلي ايبدو وآخر على متجر لليهود، وباستثناء عبارات الشجب والاستنكار للأحداث التي طرأت على كلمات الضيوف، وكتابة" كلنا شارلي" باللون الأحمر العريض باللغتين العربية والفرنسية على واجهة المعهد، لم يشهد المؤتمر أي تغيرات في أجنتده المزمعة.

أعمال المؤتمر تطرقت للعديد من المواضيع الإيجابية في العالم العربي والتي شهدت نجاحاً في تلك الحاضنة، تتنوع المواضيع بين التعليم والأعمال والطاقة والثقافة وحقوق المرأة، وتشكل بمجملها أفكاراً مبتكرة وجديدة أفسحت المجال للقائمين عليها للتحدث عنها والصعوبات التي واجهتهم أثناء العمل على أرض الواقع لتحقيقها ومن ثم تحويلها من أفكار إلى مشاريع عامة، ولاحقاً كيف تمت إدارتها لضمان استمرارها.

الأفكار التي جاءت من كافة أنحاء العالم العربي، لم تتوزع مواضيعها بشكل متكافئ، فكان النصيب الأكبر للأعمال والطاقة لدول الخليج والتجارب الرائدة التي عاشتها، أما عن الحياة الإجتماعية هناك فالصورة ظهرت بشكل مغاير، فعلى الرغم من قلة التجارب المجتمعية والثقافية في الخليج مقارنة ببقية البلدان العربية، إلا أن قضايا اجتماعية كحقوق المرأة كانت ممثلة بحضور الحقوقية والناشطة السعودية منال الشريف، والتي تعرضت للإعتقال أكثر من مرة على أثر قيادتها لسيارتها في السعودية، بالإضافة لإطلاق حملة تطوعية تهدف لتدريب النساء على قيادة السيارة، وذلك تفادياً لحالات طوارئ قد تحدث، قبل أن تعتقلها الشرطة الدينية" هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وتوقف مشروعها، المشروع الذي كان يسعى لإيجاد مبررات قيامه قبل أي شيء آخر؛ بالإضافة لذلك عرفت الشريف كمدافعة عن الخادمات الأجنبيات بالسعودية، وقيادتها لحملة من أجل إطلاق سراح النساء اللاتي سجن بسبب مبالغ زهيدة لم يستطعن سدادها.

سوريا والتي تشهد إضطرابات منذ أربع سنوات، حضرت عبر شخصيات مستقلة تحدثت عن تجاربها، المديرة التنفيذية لمباردة الإصلاح العربي بسمة قضماني كانت مشاركة كمتحدثة عن المبادرة التي تأسست في العام 2005 والتي تجمع شراكة أكثر من عشرين مركز فكري وبحثي من مختلف أنحاء العالم العربي وأوروبا وأميركا.
أما الحديث المباشر عن الأزمة السورية جاء على لسان الدكتورة رولا هالام رئيسة فريق المنظمة غير الحكومية" يداً بيد لأجل سوريا"، حيث سلطت الضوء على الجانب الطبي والعمل على سد النقص في ظل الأحداث التي تشهدها سوريا.

أيضاً شهد المؤتمر حضور للعديد من الشخصيات العربية الأخرى والتي تحدثت عن قضايا تشغل بلدانها؛ حضرت الأستاذة نجوى الشريف من المركز القومي للبحوث، والفنان عمار أبو بكر أستاذ مساعد في الفنون الجميلة، والسيدة عائشة الشنا من مؤسسة التضامن النسائي، وزهرة بالخضر أستاذة في جامعة المنار، وهي أسماء جاءت من مصر وتونس والمغرب وغيرها من الدول العربية؛ وبالإضافة للتجارب العربية حضرت أيضاً تجارب فرنسية تنوع محتواها بين العمل المدني والإعلامي.

خبير الشؤون الإنسانية في العالم العربي د.جمال مصراوي تحدث قائلاً" وجود العديد من رجال وسيدات الأعمال العرب للتحدث عن تجاربهم الناجحة في العالم العربي وخاصة الشباب الذين ينخرطون في اجراءات متنوعة أعطى صورة إيجابية عن العالم العربي بالإضافة للتأكيد على المجتمع المدني كأهم دعائم السلم الأهلي والتعايش المشترك".


الصحفي أحمد صلال رأى أيضاً" أن الندوة الأخيرة تأتي في سياق رصد التطورات التي شهدها الوطن العربي وبأنها وثيقة تلامس الواقع الحي خاصة أن أبرز المشاركين ينتمون لمراكز أبحاث تعتمد على وقائع علمية رغم القصور لأنها لا تستطيع أن تلم بكل مفاصل التحولات والقضايا".


الحوار المتمدن

مستقبل سوريا بين الفرص والمخاطر

تدور النقاشات في الساحة السورية حول الحكومة المؤقتة ورئيسها أحمد الشرع، حيث يرى بعضها أنه يمثل فرصة جديدة للبلاد التي أنهكتها الحرب، ويرى بع...