الأربعاء، 17 يناير 2018

الرقة بعد ثلاثة أشهر على هزيمة تنظيم داعش

ثلاثة أشهر مرت على تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش، ورغم هذه المدة الطويلة نسبياً إلا أن العائدين إلى أحيائهم لا زالوا يجدون جثث متعفنة تحت الأنقاض وفي الشوارع النائية بين الركام، لتزداد شكاويهم من روائح الجثث المتعفنة والمنبعثة في حاراتهم، وأمام جهلهم بالجهة المسؤولة عن إجلاء الجثث وإعادة الحياة الطبيعية للمدنية، توجه بعضهم إلى الحواجز العسكرية القريبة منهم ليشكوا لعناصرها الوضع! ليردوا عليهم بأنها جثث دواعش لا تستحق الدفن ويجب تركها للكلاب الشاردة.

من جهة أخرى لا زالت الألغام تنفجر بالمدنيين العائدين إلى بيوتهم، فلم يمر يوم واحد منذ تحرير المدينة دون إنفجار لغم يتسبب بحالة وفاة أو أكثر، وأمام العجز أطلق ناشطون حملة شملت على الفيس بوك تحت عنوان" إرث داعش" للدلالة على ما خلفه التنظيم المتطرف، كما وجهت إرشادات للمدنيين لتجنب الألغام والتوعية بمخاطرها.

الموت وحده رغم قسوته لم ينفرد في إتعاس الرقاويين، ولا بيوتهم المدمرة وغياب أساسيات الحياة من مياه وكهرباء وتدمير لكافة الجسور التي تربط المدينة وريفها ببعضه البعض، حيث تمنع قوات سوريا الديمقراطية الرقاويين من حرية الحركة على ما تبقى من الطرق السليمة، والمدنيون اليوم بحاجة لكفيل إذا ما أرادوا التوجه لمناطق أخرى مثل تل أبيض أو رأس العين على سبيل المثال، يضاف لذلك كثافة الحواجز المنتشرة والتي تحاول فرض وتأسيس شبكة أمنية على غرار السلطات السابقة التي مرت بالمدينة، بما لا يبشر حتى الآن بمستقبل أفضل من ماضي المدينة المأساوي.

هذا التشديد الأمني يجده البعض غير مبرر، ويشكك بنواياه بعد أن قام المجلس المدني في مدينة تل أبيض بإطلاق سراح أكثر من مائتي عضو سابق في تنظيم داعش، في اليوم الأول من كانون الثاني من العام الجاري، وفقاً لتحقيقات أولية قامت قوات سوريا الديمقراطية بإجرائها، ويرى بعض أبناء المدينة أن التحقيقات التي أفادت بأن المتهمين لم تتطلخ أيديهم بالدماء لم تكن دقيقة، حتى وإن اقتصر دورهم السابق مع التنظيم على التعاون في المجال المدني، ما يعكس تناقض صريح بين إطلاقات سراح غير مبررة، في ظل غياب جهة قضائية تمارس أعمالها بنزاهة وشفافية، وتضيق خناق حرية الحركة على المدنيين من جهة أخرى.

أمنياً شكلت قوات سوريا الديمقراطية أكثر من جهاز أمني كـ" الأمن الداخلي" الذي أشرف الأميركيون على تدريبه، و"الإستخبارات" و" الجريمة المنظمة" وغيرها، هذا وقد تم اختراق الشبكة الأمنية لأكثر من مرة، ففي مدينة الطبقة سمع تبادل لإطلاق النار مرتين خلال الشهر المنصرم دون معرفة الجهة المسؤولة، كذلك في مدينة الرقة عند الحواجز العسكرية المتمركزة شرق المدينة، حيث تم سماع تبادل لاطلاق النار أعقبه استنفار أمني شديد في المدينة وعلى حواجزها، أعلن عقبه مجلس الرقة المدني أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على رجل شن هجوماً بشكل منفرد.

تربوياً باشرت أكثر من مدرسة عملها وفتحت أبوابها للتلاميذ، عبر مدرستان في الرقة وواحدة في كل من السباهية والمشلب والحمرات والقالطة والسلحبية، وفي الطبقة أيضاً، ويتلقى الطلبة مناهج الإدارة الذاتية، وهي كالمنهاج السوري مع إدخال بعض التعديلات عليه.

ويقدر ناشطون تم التواصل معهم تعداد المدنيين العائدين من سبعين إلى تسعين ألف مدني، توزعوا على سبعة أحياء في أطراف المدينة، وحيين في داخلها، كما توقعوا تضاعف هذا الرقم مع انجلاء فصل الشتاء، حيث ينوي العديد من الراقويون العودة من مخيمات النزوح إلى المدينة مع بداية فصل الربيع، كما بدأ آخرون بمدن في جنوب تركيا ومنها مدينة أورفا التي يكثر بها التواجد الرقي، بالتهيؤ للعودة.

وعن تطلعات الرقاويين المستقبلية، وبحسب الأحاديث المتداولة نظراً لصعوبة إجراء استطلاعات رأي دقيقة في ظل التغريبية الرقاوية، يمكن تقسيمها لثلاثة تطلعات رئيسية، أحدها ومركزه مدينة أورفا جنوب تركيا والذي لا زال داعماً للثورة وآمالها، داعياً لإسقاط النظام، معولاً على تفعيل الدور التركي الذي يقف ضد النظام السوري حسب رأيهم، وآخرين في منافي الغربة بين أوروبا ودول الخليج، لا يشكلون ثقلاً على أرض الواقع.

أما القسم الثاني وهو المؤيد للنظام السوري والراغب بعودته، يتواجدون في دمشق والمدن السورية الأخرى، ويلخص هؤلاء رأيهم بأن زمن النظام هو الأفضل، وأن كل ما حدث لمدينتهم وأبنائها كان نتيجة غياب سلطة النظام عنها، وبأن الأطراف الأخرى لا تملك سوى الفوضى. القسم الثالث والأخير هم دعاة التحالف مع القوى الجديدة، وبأنها تشكل أفضل الخيارات لأنها تمثل سلطة الأمر الواقع والتي تدعمها القوى العظمى، ويؤيده في الرقة المتعاونون بشكل مباشر مع قوات سوريا الديمقراطية، وتبقى الغالبية العظمى من الرقاويين مطالبة بدعم الاستقرار وإعادة إعمار المدينة وعودة النازحين والمشردين.

أما تنظيم داعش، فيشير من تواصلنا معهم أنه لم يعد موجوداً، وبأنه أصبح جزءاً من الماضي، ربما لا زال بعض الأفراد يعتنقون توجهات التنظيم ويخفونها، لكنها لن تستطيع التأثير على مستقبل المدينة ومجتمعها، ما يعيد مقولة الصحفي الفرنسي نيكولا هينان والذي أختطف من قبل التنظيم" داعش اختار الرقة، أما الرقة فلم تختار داعش".

الأحد، 26 مارس 2017

“عنتورة والحروف” و”إطعام الوحش” لتعليم الأطفال السوريين اللغة العربية

ورد في آخر تقرير لـ (اليونسيف) بعنوان “في الحضيض، معاناة الأطفال في سورية الأسوأ على الإطلاق”، أن الملايين منهم لا يتلقون التعليم، إضافة إلى الانتهاكات الأخرى الكثيرة التي يتعرضون إليها.

الوكالة الدولية النرويجية للتعاون الإنمائي “نوراد”، وجدت حاجة ماسة لملء هذا الفراغ، والبحث عن حلول للأطفال الذين لا يتلقون التعليم، وأهمها الكتابة والقراءة، فأطلقت مشروعًا تنافسيًا يستهدف الأطفال ما بين سن الخامسة عشرة والعاشرة، المحرومين من التعليم، ويُقدّر عددهم بثلاثة ملايين طفل، داخل وخارج سورية، ينتشرون ما بين المخيمات ودول الجوار والداخل السوري، إضافة إلى جزء آخر من الأطفال السوريين لا تتوافر لهم إمكانية تعلم اللغة العربية في المدرسة، كاللاجئين في أوروبا.

براء العويس، مستشار اللغة العربية والثقافة السورية في “نوراد” تحدث عن مراحل المشروع قائلًا “أُطلقت منافسة باسم إبداع، تقدم إليها ثمانية وسبعون مشروعًا، واختير فائزان اثنان من بين جميع المشرعات المتقدمة”.
المشروع أطلق من النرويج، بحضور رئيسة الوزراء، إرنا سولبرغ، قبل أن يحضر إلى مبنى اليونسكو في باريس؛ للمشاركة في “أسبوع التعلم عبر الأجهزة المحمولة”، إذ اختيرت المشروعات الملائمة من “نوراد”؛ لإطلاق أسماء الألعاب الفائزة، وهي لعبة “عنتورة والحروف”، ولعبة “إطعام الوحش”، ضمن مؤتمر جمع عددًا من المنظمات والمؤسسات المهتمة بالتعليم في المناطق المتضررة والمنكوبة، في العشرين من آذار/ مارس الجاري.

الألعاب الفائزة ألعاب تعليمية، ستوفَّر مجانًا في الشبكة العنكبوتية، وهي لا تعتمد على الاتصال المتواصل بالإنترنت، فالحجم الأقصى للتطبيق الذي اشترطته الوكالة هو 100 ميغا بايت، ما يتيح للأجهزة استخدامه من دون اتصال مباشر بالإنترنت.

وعن التطبيق ذاته تحدث العويس، قائلًا: “هذا التطبيق يُكسب الطفل -في الأقل- ثلاث مهارات تتعلق بالكتابة والقراءة، من أصل خمس.. وهي لعبة اختيرت بعد أن خضعت للدراسة الدقيقة، وبعد اختبارها من عدة أطفال، وتحقيقها أفضل النتائج”، ويضيف: “اشتراطات التطبيق تحت رخصة المشاع الإبداعي والمصدر المفتوح؛ ما يعني أنها ستبقى متوافرة للمهتمين بتطوير هذه التطبيقات”.

الصوت في لعبة “عنتورة والحروف” الفائزة في المسابقة، للفنان فارس الحلو، وعن شعوره بعد فوز اللعبة التي ساهم فيها، قال الحلو: “باندفاع ورضا وافقت على المشاركة؛ لما يحمله المشروع من نبل وغيرة إنسانية.. فأطفالنا في خضم الكارثة ومستقبل لغتهم غامض، وحاجتهم إلى هذا النوع من المشروعات كحاجتهم إلى الغذاء والشراب، خاصة بعد تفشي الأمية والجهل حدًا غير مسبوق في مجتمعنا”، وأضاف: “الكارثة السورية تضع الإنسانية على المحك، ومن الضروري التصدي لمجانين هذا العصر”.

ومن بين المشاركين في مؤتمر باريس “انوفاست تكنولوجي” المتخصصة بتعليم الأطفال السوريين بالروبوت، حضرت للتحدث عن تجربتها في هذا المجال، وعن ذلك تحدث محمود شقفة، مدير العلاقات العامة في الشركة، قائلًا “عادة ما يكتسب الأطفال المهارات الحياتية والدعم النفسي من خلال اللعب بالروبوت، ونحن دمجنا التعليم المدرسي ومناهجه بالألعاب؛ ليكتسب الطفل المهارات التعليمية التي تنقصه”، وأضاف -خلال حديثه عن مشروع “كافيه روبورت” الذي استهدف أكثر من خمسمئة طفل سوري محروم من التعليم في مدينة غازي عنتاب التركية- قائلًا: “نعلّم الأطفال المناهج الدراسية السورية من خلال اللعب، وقد حققنا نتائج لافتة في هذا المجال”.


جيرون

الخميس، 16 مارس 2017

أول مكالمة هاتفية مع خالد العمير


لم أتحدث مباشرة مع خالد العمير منذ اتصاله في العام 2009 من سجن الحائر الجنائي، وراح يحدثني عن الانتهاكات التي تحدث هناك، لاحقاً انقطعت أخباره عني بعد أن نقل إلى الحائر السياسي.

اليوم وتقريباً عقب ما يزيد على السبع سنوات، قررت أن أتحدث مباشرة معه بعد أن مضى على خروجه من السجن أشهر، وأخبرته أني آثرت التحدث معه بعد أن يقضي فترة لا بأس بها خارج السجن ويسترخي أكثر، فاستنكر ذلك، وطمأنني بأنه لم يتغير ولم يتعكر مزاجه طوال فترة الاعتقال.

صوته لم يختلف، وحماسه ثابت، وللحظة شعرت أني أتحدث معه من غرفتي في الرياض، متخيلاً إذا ما قمت بفتحت الباب، سأجد أمي تجلس في صالة المنزل وأمامها أبريق الشاي، ثم أعود وأتذكر أنني في مدينة باريس وأن أحداثاً كبيرة مرت وأموراً كثيرة تغيرت.

أسعدني أن الشباب الذين التقوا بي في سجن الحائر، والتقوا بالعمير لاحقاً، أثنوا علي وعلى صبري أثناء مناقشتهم، وأن الكثير منهم يكن لي الاحترام والتقدير رغم العصف الفكري الذي دار بيننا في السجن، وعلمت أن قصتي كانت منتشرة بينهم كشاب سوري" ليبرالي" على حد تعبيرهم، دافع عن صديقه وسجن لهذا السبب، كما قابل العمير أشخاصاً لم يلتقوا بي أبداً ذكر لي أسمائهم، لكنهم قصوا عليه قصتي وما سمعوه عني، وأعادوا ذات المديح الذي سمعوه.

والحقيقة أن صديقي الجميل خالد لا يزال يمتلك ملكة تبسيط الأفكار، أو كما كنت أردد على مسامعه" أنت قادر على جعل الأفكار شعبية في متناول الناس" وتحديداً أثناء نقاشاته مع الإسلاميين، والتي حدثني عن بعضها وكيف جرت بينه وبينهم في السجن، ثم يستدرك قائلا" شكلي مسكت فيك خط" فأجيبه" أكمل، أنا مستمتع".

الجديد في كل ما دار بيننا، هو الوضع السوري ومأساويته الراهنة، والذي أخذ من حديثنا وقتاً لا بأس به، حيث عبر عن استغرابه لما يحدث في سوريا وعلق وهو يواسيني قائلاً" الشخصية السورية من أكثر الشخصيات العربية اتزاناً ووعياً وعنجهية" ولا أخفيكم الأخيرة أعجبتني كثيراً.


الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

برنامج ”نكزة”.. كوميديا تحارب اليأس



يشهد العالم العربي ثورة في البرامج اليوتيوبية التي وفرت مساحة أكبر من حرية النقد والتعبير، واختصرت الطريق نحو جمهورها متجاوزة البيروقراطية التي يفرضها التلفاز. وفي حين حققت بعض التجارب العربية قفزات في البرامج الترفيهية المسجلة، غابت السورية منها عن الساحة بسبب نقص الموارد من جهة والمخاطر التي تحفها من جهة أخرى، بداية ببرنامج “عنزة ولو طارت” ومقدمته التي أخفت وجهها بقناع، وانتهاءً باختطاف عبد الوهاب الملا “أبو صطيف الحلبي” الذي قدم برنامج “ثورة ثلاث نجوم” من الأحياء المحررة في حلب.
وفي الوقت الذي اجتاحت فيه الأعمال الفنية السورية المنطقة العربية، غابت عقب الثورة المبادرات الشبابية القادرة على كسر الحواجز وإيصال رسالة الثورة والمجتمع السوري، خصوصاً أن الحالة الراهنة تحظى باهتمام وسائل الإعلام، لكنه اهتمام يبقى رهين الحرب وربط العنف بالشخصية السورية.
“نكزة” برنامج يوتيوبي جديد يعرف عن نفسه بـ”برنامج ترفيهي يناقش مختلف القضايا التي تتعلق بالشأن السوري” يقدمه من اسطنبول الشاب سومر باكير المنحدر من مدينة سراقب. قدم البرنامج حتى الآن ثلاث حلقات مكثفة قصيرة راعى فريق العمل خلالها مسألة الوقت فيما بات يعرف “بعصر السرعة”، حيث لم تتجاوز الحلقة الواحدة منها الست دقائق، وهو ما يظهر منذ البداية عندما أراد المقدم التعريف بالبرنامج قبل أن يتم تسريع صوته وإخفاءه نهائياً، ومن ثم الانتقال مباشرة لموضوع الحلقة، وهي بداية محفزة وجذابة.
الحلقة الأولى ناقشت مجتمعي النظام والمعارضة، بقالب كوميدي ركز على الأجهزة الأمنية في مناطق النظام وحجم الرعب الذي تخلقه، وارتباط إعلامه الوثيق بهذه الأجهزة. أما مجتمع المعارضة فناقشت الحلقة المخاطر التي يتعرض لها الفرد في المناطق المحررة، وعدم تقبل النقد من قبل العاملين في مؤسسات المعارضة والحملات المنظمة التي يجابه بها الناقد، بلغة خفيفة بعيدة عن الإسفاف في ظل انحدار لغة وسائل التواصل الاجتماعية، والتي انتقدتها الحلقة أيضاً، وذهبت مباشرة للسبب الأبرز “المايوه” وكيف حظي بكل هذا الاهتمام في ظل أحداث أهم.
الحلقة الثانية وجهت انتقادها لتنظيم داعش وأفرع “البي كي كي” في سوريا بأسمائها المختلفة، وجاء انتقاد داعش بعيداً عن الكليشيهات العامة التي طغت على البرامج اليوتيوبية العربية، والتي دارت حول فكرة جهاد النكاح والسبي والحور العين. حيث جردت الحلقة أوهام التنظيم عبر انتقاد تصرفات عناصره ومخالفاتهم ومطاردتهم لتفاصيل لا تغيب عن حياة أي مجتمع على وجه الأرض، ومحاولة التنظيم القضاء عليها في حربه الدونكيشوتية، وطرق الإعدام المختلفة التي تتبعها داعش، بالرغم من أنها تؤدي غرضاً واحداً وهو الموت! وأمام سعي الإنسان الفطري للبقاء على قيد الحياة، الحياة الرحبة المتنوعة، لابد لتنظيم الموت من الموت.
بعد داعش تنتقد الحلقة الميليشيا الكردية، حيث يسرد المقدم سيناريو يؤدي بالمار على حواجزها في مناطق سيطرتها إلى السجن المليء أيضاً بالمعتقلين الأكراد، ويتطرق لفكرة الكفيل الكردي والتي تحيل للكفيل بالخليج، وتظهر موسيقى شعبية خليجية كخلفية عند الحديث عن المناطق الكردية.
الحلقة الثالثة تبدأ بالرد على منتقدي برنامج “نكزة” وتظهر بعض شتائمهم، قبل أن تنتقد الراديوهات والصحف الورقية والالكترونية، والدعم الذي تتلقاه مقارنة مع ما تنتجه، وغياب الشفافية والمناحرة بين صحف وأخرى، وإقصاء شرائح من المجتمع السوري، وتضخيم الراديوهات لذاتها وإعطاء نفسها أحجاماً أكبر من حجمها الحقيقي، إلا أن صحف وراديوهات أخرى غابت عن السيرة!
وعن المعايير المتبعة في اختيار موضوع الحلقة، وجهنا سؤالاً للمقدم سومر باكير وأجاب أن الحلقة من إعداد فريق عمل سري مكون من مجموعة من الشباب، والذين يجتمعون ويختلفون ثم ينصرفون دون التوصل لنتيجة، ولاحقاً يعاودون الاجتماع وينحون خلافاتهم جانباً، ويتفقون.
وإن كانت إجابة باكير تحمل بعض السخرية، لكنها تشير للعفوية والتلقائية في اختيار الأفكار.
فنياً يأتي الجانب التقني متنوعاً وجميلاً عبر تحويل الكلمات النابية لأخرى عادية تقترب من وزنها لغوياً بأصوات مختلفة تظهر وتخفي صوت المقدم، أو عبر تسريع صوت المقدم وترك المشاهد يتخيل ما قيل، أو كتابة تعليقات وإبراز أصوات خافتة تدعم أفكار المقدم. أما البناء السردي في الحلقات فيركز على إشراك المشاهد ووضعه في قلب الحدث، عبر استخدام كلمات مثل “تخيل/ تقف أمام/ ينقلونك” فيقبل المتلقي الكلمات التي تعقبها “شريك/ تعصر ذهنك/ تتمنى”، لكن إذا ما استمرت هذه الطريقة في السرد دون تجديد، فبدون شك ستصبح مملة.

الاثنين، 8 أغسطس 2016

منذر ماخوس: لم يضغط علينا أحد للذهاب إلى المفاوضات.. ونطالب بإخراج كل المقاتلين الأجانب من سوريا



 
جرى هذا الحوار مع الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات منذر ماخوس في مقر سفارة الائتلاف في باريس في الثالث من آب من العام الجاري 2016

س: ما هي النقاط التي استعصت عندها المفاوضات؟ وما هي شروط الهيئة العليا لاستئنافها؟
من حيث الواقع المفاوضات حتى الآن لم تبدأ، بمعنى لم تبدأ مناقشة الأزمة السورية الحقيقية وهي عملية الانتقال السياسي، حيث تم تعليق المفاوضات في منتصف الجولة الثالثة، بسبب عدم التزام النظام السوري بقرارات مجلس الأمن، خاصة في ما يتعلق بوقف العمليات العدائية والخرق الشامل، أيضاً ما يتعلق بمنع دخول المساعدات الإغاثية للمدن المحاصرة، وعدم إطلاق سراح أي معتقل. لهذه الأسباب تم تعليق المفاوضات وكنا وقتها نناقش الأمور الإطارية والتحضيرية، وفي تلك الجلسة وتحديداً في المحطة الثالثة من بدء الاجتماعات وصلنا إلى النقطة الأساسية وهي تشكيل هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وعندما أًصبحت هذه النقطة على جدول الأعمال، كان النظام السوري يقوم بشكل مقصود بتعطيل قرارات مجلس الأمن، لكي يدفع المعارضة إلى أن تدير ظهرها للمباحثات، وبالتالي يهرب من عملية الاستحقاق السياسي المطروحة، وهي عملية انتقال سياسي شامل لنظام يختلف جذرياً عن النظام القائم.

س: إذن هل نستطيع القول أن الهيئة العليا للمفاوضات لن تستأنف المفاوضات ما لم يتم تنفيذ ما اتفق عليه، وهو إطلاق سراح المعتقلين وإدخال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة؟
نعم لا تزال هذه المطالب قائمة لكن ليس بهذه الميكانيكية، طالما تم تعليق المفاوضات لهذه الأسباب منذ أكثر من ثلاثة أشهر. إن المبعوث الدولي السيد دي ميستورا يعلم جيداً أن الهيئة العليا للمفاوضات لن تستمر ما لم يتم تحقيق تقدم على الأرض فيما يخص هذه الملفات، حيث لا يوجد تقدم حقيقي بعد ثلاثة أشهر من تعليقاها، وإن كنا مهيئين ومستعدين للاستمرار بعملية التفاوض، فالنظام ما زال يحاصر المدن، ويمنع دخول المساعدات وبشكل مقصود لم يطلق سراح معتقل واحد، ويستمر بالخرق الشامل للهدنة، ولهذا السبب قال السيد دي مستورا أنني لن أرسل دعوات لاستمرار العملية التفاوضية ما لم يكن هناك تقدم على الأرض، والروس والأميركيون يعرفون كلاهما كراعين للعملية السياسية أن الدعوة للمفاوضات بدون وجود بيئة مناسبة لن يكون مجدياً، وخصوصاً تنفيذ قرارات الأمم المتحدة 2254 و 2268 ذات الصلة بهذه الملفات.
الآن لا نشعر بأن هناك تقدم حقيقي وقد زادت الأمور تعقيداً بعد مسألة حلب، التي أصبحت محاصرة هي الأخرى، فإذا كان لدينا حوالي العشرين بلدة محاصرة والتي تحوي ما يزيد عن المليون نسمة، فالأحياء الشرقية من حلب تحوي ما بين 250 ألف إلى 300 ألف شخص، يعتبرون الآن بعداد المحاصرين، إذن هذا سبب إضافي يعرقل استمرار عملية المفاوضات في جنيف.

س: ما هي الضمانات التي قدمت لكم من الدول الحليفة للمعارضة السورية سواء السعودية التي شكلت الوفد أو أميركا وفرنسا أو المنظمات الدولية التي دفعتكم للذهاب للتفاوض، وهل هي ضمانات كافية برأيك؟
أنا أتحفظ على السؤال لأن السعودية لم تشكل الوفد، المبادرة كانت سعودية بالأصل لكن تقف ورائها كل الدول الخليجية والأوربية، ولا أعتقد أنهم دفعونا للذهاب، هناك دعم إقليمي ودولي نعم وهذا ليس سراً، لكن لا يصح القول أن المعارضة دُفعت للذهاب إلى المفاوضات، ليس الأمر بهذه الآلية أو الميكانيكية.
كما أن الضمانات تكون ذات قيمة عندما تكون مكتوبة وموقعة وتحت أطر دولية أو أطر ملزمة، ولم يعطينا أحد ضمان كهذا، لكن هناك وعود بأنه يجب استمرار العملية من وجهة نظرهم، ونحن نريد حل سياسي إذا كان ذلك ممكناً، لكن ليس حل سياسي بأي ثمن، لذلك مرة أخرى ليست هناك ضمانات بمعنى الضمانات.

س: لكن نعلم جميعاً أن نظام الأسد لا يمكن أن يقدم تنازلات أو يتنحى عن الحكم؟
نحن لا نراهن على أن بشار الأسد سوف يتنحى عن الحكم، ولكن كي لا نهتم بأننا نعطل العملية السياسية نحن نذهب لنفاوض، وأكثر من ذلك نحن أعددنا كل ما ينبغي من أجل إنجاح العملية السياسية خاصة فيما يتعلق بإنجاز الوثائق التي تتعلق بآلية سير المرحلة الانتقالية، وثائق تتعلق بشكل سوريا المستقبل وكل ما له علاقة بآليات التنفيذ لإنجاز المرحلة الانتقالية، وقدمنا حتى الآن وثائق مهمة، منها وثيقة المبادئ الأساسية وغيرها حوالي تسع وثائق أخرى حول هذه المسألة، والتي تم تقديمها عبر المفاوضات التي تمت في جنيف وسلمت لدي مستورا ونقلها للطرف الآخر، وآخر عمل مهم جداً وأفضل ما تم إنجازه حتى الآن وثيقة أسمها" الإطار التنفيذي للعميلة السياسية" وبالأصل قام بوضع مسودتها مجموعة من المحامين في القانون الدولي وذوي الخبرة بالدستور، تطرقت لكل ما يتعلق بتنظيم عمل الدولة، وبدورها الهيئة العليا شكلت لجنة لدراستها ومراجعتها، وهي تشكل أفضل إطار حسب وجهة نظري حتى الآن تم إنجازه لوضع تصور شامل لعملية الانتقال السياسي ولشكل سوريا المستقبل. وهذا عمل كبير ويعني بأننا جادون ومستعدون أن نبين للشعب السوري قبل كل شيء والمجتمع الإقليمي والدولي على أننا نملك رؤية واضحة للخروج من هذه الكارثة التي تعيشها سوريا اليوم.

س: وجود أجسام أخرى من المعارضة في المفاوضات هل هو داعم للهيئة العليا للمفاوضات أم أنه لا يصب في صالحها، ولماذا؟
من حيث المبدأ نحن نعتبر أن الهيئة العليا هي الممثل للشعب السوري في أي عملية سياسية، وهذا ليس إدعاء لأن الهيئة نتاج قرار دولي في اجتماع فينا، والذي قرر تشكيلها وطلب من السعودية احتضان الإطار الجديد، وهو يحوي أربع مكونات، تمثل غالبية أطياف المعارضة ولا أقول كلها، وبالتالي هي مبادرة سياسية تتكون من أربع مجموعات كبرى هي الائتلاف وهيئة التنسيق، وطيف واسع من المستقلين، وأيضاً ممثلين عن الفصائل العسكرية. نعم هناك أطياف معارضة أخرى لا ننفي ذلك، هناك منصة القاهرة ومنصة موسكو، أما منصة حميميم فلدينا بخصوصها شبهات لأننا لا نعتبرها معارضة، وهي مصنعة تماماً تم تشكيلها بين النظام والروس، وهناك أيضاً عشرات منظمات المجتمع المدني، وبشكل خاص ممثلي القطاع النسائي. إن السيد دي ميستورا يتعامل مع هذه الأطياف الأخيرة بشكل مستقل على أساس استشاري، ونحن لا نعترض على هذه الصيغة. كما قمنا بمبادرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر للانفتاح على أطياف المعارضة الأخرى، وعلى وجه الخصوص منصة القاهرة ومنصة موسكو، ومنصات المجتمع المدني من أجل فهم أوسع للعملية الانتقالية ومستقبل سوريا، لكن على الصعيد التنظيمي واضح أن المفاوضات تجري بين ممثلين عن النظام وممثلين عن المعارضة الذين تمثلهم اليوم الهيئة العليا للمفاوضات.

س: هل تعتقد أن المجتمع الدولي سيضغط في النهاية على الأسد للتنحي عن السلطة؟
حتى الآن هو لم يضغط، وهذا واضح، وليست هناك مؤشرات على أنه سوف يضغط، الذي يستطيع الضغط على النظام السوري هو روسيا فقط لا غير، لذلك نحن نتفاهم مع الأميركيين وغيرهم من أصدقاء الشعب السوري الذين يجب عليهم أن يضغطوا على الروس لكي يضغط الروس بدورهم على النظام السوري، من أجل الالتزام بالقرارات الدولية وتسهيل عملية الانتقال السياسي. ولا يزال النظام السوري متعنت بتقديم تصوره للحل، ويتكلم عن حكومة وحدة وطنية أو حكومة موسعة، وهي عبارة عن عملية ترقيعية وليست عملية انتقال سياسي. لأن مضمون المشروع الذي يطرحه النظام وحلفائه هو تشكيل حكومة جديدة بإضافة ممثلين للمعارضة وللمستقلين، لكن تحت مظلة النظام وعلى رأسه بشار الأسد، وبالنسبة لنا هذه الصيغة مرفوضة بالمطلق، وليس هناك أي أفق على أن هذا النظام سوف يقبل بمقاربة المعارضة التي تتلخص بعملية انتقال سياسي شامل عبر هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وأن لا يبقى أي دور لبشار الأسد والحكومة الحالية. عندما وصلت المفاوضات لهذه النقطة تحديداً، فعل النظام كل ما يستطيع من أجل إفشال العملية السياسية، والهروب من الاستحقاق السياسي الذي يتمثل بعملية انتقال سياسي شاملة.

س: برأيك، ما هي أولوية الروس في سوريا؟ هل هو تعاون مع الأمريكان، أم مقايضة للمجتمع الدولي بقضايا أخرى، أم دعم لحليف مهم؟
هم يدعمون بالتأكيد حليف لهم، لأن النظام السوري يشكل ورقة بالنسبة للروس ومصالحهم في المنطقة، حيث لم يبقى للروس في المنطقة سوى النظام السوري، لكن المسألة السورية أعقد من ذلك، لأنها أصبحت مدولة بامتياز، ولا يمكن تصور حل للمسألة السورية بمفردها، فهناك ثلة من المسائل الإقليمية والدولية، كقضية أوكرانيا والقرم وهناك قضية العقوبات الاقتصادية وأسعار النفط وهناك مسألة الدرع الصاروخي، هذه القضايا الكبيرة والمهمة والحساسة تشكل كلها حزمة واحدة، وبالتأكيد سوف يتم التعامل بين روسيا والولايات المتحدة على حل هذه المسائل بصفقات بين هذه القضايا المختلفة ومنها القضية السورية، هذا يدعو للاعتقاد أنه ليس هناك ما يبشر بحل عبر الدول الفاعلة سنصل إليه في المرحلة القريبة القادمة.

س: يشير محللون إلى أن الروس أرادوا عبر حصار حلب تغيير قواعد اللعبة السياسية، كيف تجدون محاولة فك الحصار عن المدينة مؤخراً على يد الفصائل المقاتلة؟
نعم بالفعل قضية حلب قضية مركزية، لذلك استمات النظام وحلفائه من أجل إطباق الحصار عليها، ونجحوا إلى حد ما، وهذا ما جعل الفصائل منذ عدة أيام تقوم بعملية معاكسة من أجل فك الحصار. بدون شك الحفاظ على حصار حلب مهم للنظام لأنه يغير قواعد اللعبة بالنسبة لهم ويعطيهم أوراق إضافية خلال العملية السياسية، بما يسمح لهم بابتزاز المعارضة وطلب تنازلات أو القبول بمقاربة النظام، وهذا لن يحدث أياً كانت الأوضاع. بدورهم الثوار حققوا إنجازات لا بأس بها، أول البارحة حرروا مناطق عديدة، والعملية لا تزال قائمة وهم الآن يعدون لمرحلة ثالثة لدحر النظام وفك الحصار وربما تقوية مواقعهم في موازين القوى بمنطقة حلب وفي الشمال بشكل عام بما يغير المعادلة.

س: هناك دعوات من بعض الدول لإقامة هدنة في حلب، برأيك هل ستشهد حلب هدنة في القريب؟
حسب معلوماتي أن أول من دعا لهدنة لمدة 48 ساعة في الأسبوع هي الأمم المتحدة، بعد أن كان النظام قد أوشك على إطباق الحصار على حلب، الأمر الذي سيؤدي لكارثة إنسانية في الأحياء الشرقية، لذلك اقترحت الأمم المتحدة أن تكون هناك هدنة 48 ساعة كل أسبوع للسماح بإدخال المساعدات، لكن لم يتعامل أحد مع هذا الاقتراح الأممي. بالمقابل النظام صرح أنه سيشكل أربعة معابر والروس أضافوا إليها ثلاثة معابر أخرى لخروج المقاتلين الراغبين بتسليم سلاحهم والمدنيين أيضاً، لكن هذه عبارة عن خدعة وعملية ملغومة من أجل تفريغ حلب من سكانها والتغيير الديموغرافي، ونحن مررنا بتجربة سابقة في حمص عندما حاصرها النظام وأقام مصالحات وقال أنه يسمح للمقاتلين بعد تسليم سلاحهم الخروج وللمدنيين أيضاً، والذي حصل أنه قام باعتقال كل من خرج من المدينة سواء كانوا من المدنيين أو من المسلحين، وخضعوا جميعاً للتحقيق على مدى شهور، ومن ثم أفرج عن حوالي 250 شخص فقط والبقية لا زالوا مجهولي المصير ونحن لا نعرف هل هم على قيد الحياة أم لا.

س: ذكرت" التغير الديموغرافي" هل هناك مناطق تعرفها في سوريا سكن فيها غرباء مكان السكان الأصليين؟
نعم في ريف دمشق وفي دمشق نفسها ومناطق أخرى، هناك تجنيس لعدد كبير من المواطنين الإيرانيين ومن جنسيات أفغانية وجنسيات أخرى مختلفة، جاءوا بهم كمقاتلين مرتزقة ويريدون تجنيسهم، وهم من لون طائفي معين يهدف إلى تغيير ديموغرافي في سوريا، حلب قد يحدث بها نفس الشيء إن نجح مشروع النظام بإخراج السكان الأصليين من المدينة، وبالتأكيد سيفعل ما فعله بمناطق أخرى ويدخل مكانهم أناس آخرين ليسوا سوريين.


س: في الجولة الثانية من المفاوضات التي حدثت في جنيف خرج بيان موقع باسم" فصائل الثورة السورية" تتهم فيه دي مستورا بالانحياز للنظام، كما حثتكم تلك الفصائل باتخاذ موقف حازم من المناورات الأممية، كيف تقيمون أداء دي مستورا وهل بالفعل هو منحاز للنظام؟
نحن لم نلمس حتى هذه اللحظة من السيد دي مستورا بأنه منحاز بالمعنى الذي يتم الكلام حوله، هناك كلام كثير من الفصائل وغير الفصائل على أنه منحاز، لكن عبر المفاوضات التي تتم في جنيف هو يسعى أن يكون وسيط حيادي، لأن مهمته تقتضي ذلك، وإذا مال لطرف دون الآخر ستكون هناك مشكلة، وحتى الآن لم يصدر أي تقرير من الهيئة العليا يشير لانحياز دي مستورا للنظام، هو وسيط دولي يحاول أن يدور الزوايا الحادة وقد يبدو أحياناً بنظر البعض منحاز، هناك انطباع ربما لدى الفصائل أو غيرها وهو مشروع، ولا أعترض عليه.

س: لماذا لم ترد في البيانات الصادرة عن مكتب المبعوث الأممي ومراحل تنفيذ الاتفاقيات، إشارة واضحة للمليشيات الشيعية المقاتلة لجانب قوات النظام، وخروجها من الأراضي السورية؟ ألم تطلبوا منهم الإشارة الواضحة لخروج حزب الله مثلا؟
نعم هذا سؤال كبير، ونحن لا نتوقف عن تكرار ذلك للسيد دي مستورا ولكل الأطراف اللاعبة وخاصة الدول الصديقة للشعب السوري وهي تضم أكثر من عشرين دولة وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والسعودية وقطر وتركيا والأردن.. الخ، كل هذه الدول نحن نقول لها أنه ليست هناك إشارة إلى دور هذه المليشيات وهي ميليشيات أجنبية، وهم ليسوا سوريين، فحزب الله لبنانيون والمليشيات العراقية والمليشيات الإيرانية حدث ولا حرج وهناك مليشيات تأتي من دول آسيا بما في ذلك الأفغان، وهم مرتزقة بامتياز هؤلاء جاءوا بهم..

س: ( مقاطعاً ) لماذا تتم الإشارة دائماً لتنظيم داعش والنصرة ولا تتم الإشارة لهذه المليشيات؟
من ناحيتنا كهيئة عليا للتفاوض نحن لا نتوقف عن الإشارة إلى هذه المسألة، ونطالب أيضاً أن تكون هناك قرارات بإخراجهم، نعم عندما يتكلمون عن داعش والنصرة نسأل لماذا لا يتم التكلم عن هؤلاء، وهؤلاء كلهم أجانب عملياً وإذا أخذت عددهم ستجدهم أكثر من كل الأجانب الموجدين لدى داعش والنصرة، ونحن نطالب بإخراج كل من هو أجنبي من سوريا.

س: يشير ناشطون بأن لديكم كهيئة عليا للمفاوضات كل ما يدين النظام ويعكس عدم جديته، كقضية المعتقلين واستشهاد الآلاف منهم تحت التعذيب والمناطق المحاصرة، وبأن المنابر الإعلامية مفتوحة أمامكم والمنظمات الحقوقية والقوانين الدولية تقف لصالحكم، فلماذا لم يضعف النظام عبر المفاوضات؟ ولماذا لا نجد رأي عام دولي يقف إلى جانب الثورة السورية؟
الهيئة العليا للمفاوضات والائتلاف، وفي وقته المجلس الوطني وحتى المعارضة غير المنظمة بأطر سياسية، لا تتوقف على الإطلاق عن تناول ذلك بشكل يومي، وليس هناك تقصير بهذه المسألة من وجهة نظري على الإطلاق.
أما لماذا لا يتعاطف المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، فهنا المشكلة، بأنه لماذا لا تزال القضية السورية بدون حل، لماذا هناك قتل مستمر منذ ست سنوات، لأنه كما قلت أصبحت القضية السورية مدولة، وهناك تقاطع مصالح بين دول مختلفة وبالتالي ليس هناك تعامل موضوعي مع الواقع السوري كما هو، هناك حزمة من المشاكل الدولية وبالتالي يتم تناول القضية السورية كأحد هذه العوامل أو العناصر في هذه الحزمة وفق آلية مقايضات أو مساومات بين الدول التي تملك الحل، ونحن لا نملك التأثير على هذه المعادلة.

س: تحدث ناشطون عن تجاوز الهيئة العليا للمفاوضات للائتلاف الوطني كممثل للمعارضة، وذلك عبر إصدار بيانات مستقلة، كالترحيب بفك ارتباط النصرة عن القاعدة، وبأن عمل الهيئة أصبح بعيداً عن وظيفتها الأساسية، كيف تشرح ذلك؟
صحيح أن مهمة الهيئة العليا هو التفاوض، لكنها أصبحت واجهة للمعارضة السورية كما أن الائتلاف كان ولا يزال موجود كإطار سياسي أوضح، وله صيغة تمثيلية باعتراف دولي، بغض النظر عن طبيعة الاعتراف الحالي لأن الصورة لم تعد كما كانت منذ ثلاث أو أربع سنوات. لكن أنا لا أجد أن هناك تناقض بين دور الائتلاف وبين دور الهيئة العليا، فالهيئة العليا ثلثها من الائتلاف، وهي لا تستطيع أن تتجاوز قضايا سياسية مهمة، مثلاً مسألة المساعدات الإنسانية قضية لها علاقة بالمسار التفاوضي، قضية المعتقلين لها علاقة أيضاً، وقف إطلاق النار أيضاً ذو صلة مباشرة باستمرار العملية التفاوضية. وقد صدر بيان فعلاً باسم الهيئة العليا يرحب بتغيير جبهة النصرة لاسمها، فالهيئة العليا والمعارضة ترحب بفك الارتباط مع القاعدة، لأن القاعدة مصنفة في كل دول العالم كمنظمة إرهابية، وإذا كانت النصرة تفك ارتباطها الشامل وليس فقط الشكلي بالاسم وإنما ارتباطها التنظيمي لنقل وخاصة الآيدلوجي، وتقبل بمشروع الشعب السوري ببناء دولة مدنية تعددية كدولة قانون ومواطنة، وتحترم خيار الشعب السوري، فنحن نرحب بالمنظمات التي تكون قيمة مضافة من أجل التصدي للنظام السوري، لكن بشرط أن تكون في إطار المشروع الوطني السوري، وأن تقبل بالحفاظ على هيكل الدولة السورية عبر إعادة صياغة الأمن والجيش.

س: السؤال الأخير في خطابه أمام مجلس الشعب قال بشار الأسد بأن وظيفتكم كهيئة عليا للتفاوض هي الأكل والشرب والنوم، بماذا ترد عليه؟
أنا لا أريد أن أرد لأنه لا يستحق الرد، أنا لا أدعي أن المعارضة مثالية وتقوم بواجباتها على ما يرام، لكن هذا التقزيم لدور المعارضة واختزالها بالأكل والشرب والنوم لا يستحق التعليق، وأتساءل ماذا قدم للشعب السوري هو ونظامه الذي دمر سوريا. 


الحوار المتمدن

الخميس، 28 يوليو 2016

علي المقري: قد لا تتحقق الكتابة في باريس، لكن الحياة تتحقق فيها!


 

من مواليد مدينة تعز في العام 1966 م، له عشرة كتب منها مجموعات شعرية وكتاب (الخمر والنبيذ في الإسلام) وأربع روايات هي:
1/ ” طعم أسود.. رائحة سوداء..”
القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية-بوكر 2009 .
2/ ” اليهودي الحالي”
القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية-البوكر 2011.
3/ ” حرمة” صدرت في العام 2011 وحازت على جائزة التنويه الخاص للرواية العربية من معهد العالم العربي في باريس في العام 2015.
4/ ” بخور عدني” صدرت في العام 2014.
كما ترجمت بعض رواياته للعديد من اللغات كالفرنسية والإنجليزية والكردية وأخرى ما زالت ضمن مشروع الترجمة.
أجرينا مع المقري هذا الحوار في مدينة باريس حيث يقيم حالياً بتاريخ 13/7/2016


*بداية سأطلب منك أن تحدثنا عن دافع  تأليفك لكتاب” الخمر والنبيذ في الإسلام” وتجربتك معه؟

هذا الكتاب جاء نتيجة لشغفي الكبير بالبحث في التراث العربي الإسلامي، إذ اكتشفت أثناء القراءة والبحث، أن هناك أشياء كثيرة مُغَيَّبة  من هذا التراث، ولم يتم تقديمها أو إعادة نشرها. حيث أن ما يقدم منه في العصر الحديث، هو عبارة عن كتابات أو اختيارات منقحة ومهذبة من هذا التراث، عادة ما تخدم الجوانب السلفية المتشددة للجماعات الإسلامية، ذات الرؤية السياسية المنغلقة. لذلك حاولت أن أقدم بعض هذا الجانب المغيّب في هذا التراث المتعدد،.وبالطبع هناك الكثير من الباحثين قدموا دراسات مهمة، عبرت عن وجود اتجاهات فكرية منفتحة ومتميزة في التراث العربي الإسلامي، لكن مسألة الخمر والنبيذ في الإسلام ظلت شبه مغيّبة ما يقارب عشرة قرون تقريباً، ولم يتطرق إلى هذا الموضوع، إلا من خلال اتجاه انتقائي يدعم رؤية تقول أن الأمر انتهى في هذه المسألة إلى التحريم؛ ووجدتُ أن هذا غير صحيح، وأنه يوجد خلاف في الأدبيات والنصوص التراثية الإسلامية، في مسألة التحليل والتحريم، ولا يوجد رأي واحد في هذه المسألة، ولهذا كانت قراءتي من منطلق بحثي قرائي ولم يكن من جانب ديني حيث لم أهدف إلى إبراز دليل على أن الخمر  حرام أو حلال، وإنما هدفت إلى الكشف عن وجود خلاف في هذا الجانب.

*نلاحظ في رواية” طعم أسود رائحة سوداء” تطرقك لفئة الأخدام، وفي رواية” حرمة” تطرقك لوضع المرأة باليمن، هل هدفت إلى إبراز الفئات المجتمعية المهمشة في اليمن؟ ولماذا؟

يبدو لي أن قراءة الروايات لا تنحصر من خلال الخطاب الأيديولوجي أو  ما يُظن أن الكاتب يهدف إليه في رسالة ما. فـ(الأخدام)، وهم السود في اليمن، وهم ليسوا الخدم بالمعنى المتعارف عليه، وأيضاً المرأة في اليمن، أو اليهود في رواية” اليهودي الحالي”، لا يمثلون إشكالية محصورة في اليمن، إذ أن هذه الإشكالية تتسع إلى أبعد من ذلك في إطار المختبر السردي الروائي، لتصبح كما يبدو لي إشكالية تتعلق بمفهوم الوطن أينما كان؛ ما هو الوطن ولماذا الوطن، وهل الوطن ضرورة دائمة، بالإضافة للبحث عن الوطن كفكرة، كإشكالية من حيث الفكرة نفسها. كما يمكن فمثلاً  أن نجد صراع المرأة الوجودي مع التشدد الديني والتي تعيش معه الكبت الجنسي وعدم تحقق الذات في مجتمعات أخرى. فحال امرأة جهادية إسلامية قد يشبه حال راهبة مسيحية، أو راهبة هندوسية أو بوذية أو ما شابه، فالإشكالية ترتبط بالتجربة الإنسانية. فهناك تجارب مشابهة لعلاقة الدين بتحقق الوجود وتهميش الكائن. ولهذا يبدو لي أن قراءة العمل الفني لا تكون بهكذا تبسيط  في القراءة من خلال رؤيته كمتناول لقضية بذاتها.

*ما هو المعنى الحقيقي للوطن لديك؟

بالنسبة لي، الوطن ليس له أي معنى، لأن الوطن فُرِّّغَ من معناه القديم، وكل المعاني التي ما زالت تُقَدّم هي معانٍ أيديولوجية تتحول إلى سلطة قامعة ومعيقة بحدودها، وترى دائماً، أن الوطن هو الأرض أو الدين أو القومية أو الهوية، أو بشكل حديث هو الذي تتحقق فيه حرّيتك أو الذي يتواجد فيه أحبتك أو أصدقاؤك، فلا يوجد وطن متحرّر من هذه السطوة المفاهيمية الأيديولوجية، والتي تتحول إلى سلطة قهرية. فالوطن أصبح قيمة مكررة، ليس لها معنى، ولأجل هذه التسمية والصفة شُرّد كثيرون، وقُتل كثيرون أحياناً بتهمة اللاوطنية! فـ (الأخدام) في اليمن، مثلاً، لا يجدون أي علاقة تربطهم بمفهوم الوطن المكرس، فكل ما فيه من تمييز ينفي حقهم في العيش الحر والكريم. وبالتالي، كيف نقول أن هذا وطنه؟ اليهود أيضاً لا يشعرون في اليمن أنهم في وطنهم بسبب النعرات الاجتماعية العنصرية!
لذلك يجب أن نوجه الإشكالية إلى المفهوم نفسه، مفهوم (الوطن) وليس إلى الممارسات التي تتم باسمه أو مع صفته .

*في رواية” حرمة” تشير إلى فتوى تتعلق بإرضاع الكبير في الإسلام والترويج لها عبر إحدى الفضائيات. كيف قرأتها في ظل الجدل الإعلامي حينها؟

بدت المسألة عندي وكأنها بمثابة اختبار لكيفية تعامل الخطاب الديني مع النصوص التراثية القديمة، وبروز ذلك من خلال المفارقة بين تحريم حق المرأة  بالمشاركة في الحياة الاجتماعية والمضي إلى أقصى حد في تبرير بعض الممارسات الجزئية، كأن تقابل المرأة رجلاً، عبر فتوى إرضاع الكبار.

*أليست مبالغة بأن يتم التعاطي مع هذه المسألة بين شيخة دين والمتصلين على وسائل الإعلام، كما طرحت في روايتك؟

لا أفهم فكرة المبالغة في المجال الفني. الفن بالتأكيد يختبر أشياء يبدو لي أنها ممكنة في الواقع، فالروائي لا يمكن أن يقدم صورة طبق الأصل لما يحدث في الواقع، ويمكنه أحياناً أن يختبر حالة أو حدث ما في المجتمع من خلال رؤية أدبية سردية.

*في رواية” حرمة” كان الصوت السارد نسوياً، وفي رواية “بخور عدني” صوت السارد جاء على لسان فرنسي يعيش في عدن، كيف يقع اختيارك على صوت السارد؟ وما هي الصعوبات التي تواجهك؟

أظن أن الأمر يتعلق بمقتضيات السرد، سواء بأسلوب الـ”أنا” أو الـ “هو” أو الـ”أنت”، أي أن تعدد طرق السرد يتعلق بمدى استعداد الكاتب والتهيئة التي ينشئها من أجل الدخول لهذه العوالم، والتي لا يجد فيها أي مجال إلا أن يستخدم هذا الصوت السارد أو ذاك، لأن الأمر يتعلق بمقتضى سردي، يبدو للكاتب أن الأمر لا يتحقق إلا بهذه الطريقة.

*نجد في رواياتك العنصر اليهودي حاضراً، حتى في رواية” حرمة” التي لم تتطرق فيها للعنصر اليهودي اليمني، كان هناك حضور ليهودي إيراني، ما السبب؟

لا يوجد سبب سوى أن اليهود في اليمن يُعتبرون جزءاً كبيراً من المجتمع اليمني، فوجودهم في الرواية هو وجود يتطلبه أحوال السرد. بالإضافة إلى أن الصراع بين الإسلاميين واليهود يتعلّق بالإشكالية التي اختبرتها في ما يسمى بالوطن ومفهوم الوطن، وهو ما جاء من خلال إشكالية التعايش المشترك في مدينة عدن في رواية” بخور عدني”. وهو أيضاً جزء من اختبار عدم التحقق الوجودي للذات، كما هو حال اليهود في إيران، أو في سوريا أو اليمن أو أي مكان آخر، فيكون هناك حصار خاص أو نظرة أخرى لأنهم يعيشون في مجتمع إسلامي شمولي كلياً.

*في روايتك” بخور عدني” تطرقت لتفاصيل المدينة والتعايش المشترك قبل أن يحدث هذا التحول في الواقع اليمني، هل تعتقد كروائي يمني أن التفاصيل التي حاولت الإمساك بها ستعود يوماً ما، لحياة اليمنيين؟

الرواية، تقوم أحياناً، بنوع من ترميم الذاكرة. ففي رواية “بخور عدني” بدا المجتمع يعيش في حال تسود فيه بعض جوانب مشتركة متعددة لمختلف الأعراق والديانات والثقافات، لكن هذا المجتمع الذي كان يسود فيه هذا التعايش، وجد فيه أيضاً أزمة في التعايش، حيث ظهر الخطاب الأحادي أيضاً والذي يحدد من هو الوطني ومن هو اللا وطني، ومن هو العدني ومن هو اللا عدني .. الخ، ولهذا وجدت أن هذه التجربة الإنسانية في هذه المرحلة التاريخية مكملة لبحثي الأدبي، وسؤاله: هل يمكن أن تتحقق حياة الإنسان بدون أن يكون ضمن ما يسمى وطناً؟ هل يمكن أن يعيش بدون أوراق رسمية، كم توصف؟ أو أوراق شكلية، وأن يعيش بدون مساءلة، أو بدون أن تصبح لديه متطلبات للوطن، في الخدمة العسكرية أو الدفاع عن الوطن، وغيرها من المتطلبات التي تسمى وطنية.

*الأشياء التي طمست من حياة عدن كوجود بارات، كازينوهات، العنصر الأجنبي، السينما وغيرها.. هل تعتقد أنها ستعود في المستقبل اليمني، بأشكال أخرى؟

أظن أن أكثر ما يجمع عليه العدنيون حالياً هو الحنين إلى الماضي، لكن حنينهم يتخذ أشكالاً مشتتة وغير مترابطة، ولا يعرفون ما هو هذا الماضي المرجو.
لكن الجميع كما يبدو لي يرون أن الماضي العدني كان جميلاً. “بخور عدني” تحاول أن تقدم صورة لهذا الماضي الذي يرونه جميلاً، الماضي بوجهه المتعايش المتسامح الذي يحتضن الجميع، وأيضاً الوجه الآخر الذي مثل الجانب القلق أو الجانب المتوتر الذي لا يقبل بالتعايش، وبالقادمين إلى المدينة، وهو الجانب الذي كان يحاول حصر المدينة بهوية محددة وبخطاب أيديولوجي واحد. فالقول أن عدن ساد فيها التعايش بالمطلق فيه كثير من الأسئلة، والجواب على هذه الأسئلة يتم عبر تفكيك كل هذه المرحلة، وإعادة قراءتها، ولا يبدو لي أن القراءات التاريخية التي يقدمها المؤرخون عن عدن قادرة على الإلمام بهذه المرحلة أكثر من الأعمال الأدبية، لأن المؤرخين يقرؤونها من زاوية أيديولوجية، وغالباً ما يرجحون مفاهيم محددة، كالمفهوم الوطني أو المقاوماتي أو المفهوم التاريخي الاستعماري، وهؤلاء جميعهم يعبرون عن وجهة نظر ما. أما الرواية كما يبدو لي، فهي تعمل على تفكيك كل الخطابات بكافة اتجاهاتها، وتغوص داخل المجتمع نفسه، وكيف كان التعايش وما هي أزمته، عبر مساءلة المفاهيم العامة، كمفهوم الوطن واللا وطن.

*مع صعود الصوت الوطني في اليمن، وسيطرته على الحياة السياسية لاحقاً، تم إلغاء تفاصيل أخرى اعتبرت غير وطنية، أي بعد خروج الاستعمار من الجنوب، وصعود العسكر في الشمال، بالنسبة لك ماذا خسر اليمن؟

يبدو لي أن الإشكالية ليست في التحولات السياسية الصاخبة التي حدثت في اليمن سواء كانت في الشمال أو في الجنوب. بالتأكيد كان هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في التحولات التاريخية، حيث كانت هناك شرائح مضطهدة أو مهمشة من المجتمع اليمني، أدت هذه التحولات إلى إعادة الاعتبار لها. لكن الإشكالية كانت في خطاب السلطات المتطرف، والتي وذهبت في تطرفها إلى أبعد ما يمكن، حتى أنها نَفَت كل ما عداها وأقصته. ولهذا تآكلت السلطة من داخلها بسبب تطرفها هذا، وأدى ذلك إلى نشوء خطاب أكثر تطرفاً كالخطاب الديني في الستينيات، والذي سبق في تطرفه ظهور تنظيم القاعدة، حيث كان مقابلاً للخطاب الوطني العسكرتاري الدكتاتوري، والذي تحكم في مفاصل السلطة وأعاد تسمية كل شيء في ظل غياب الديمقراطية والتعدد الثقافي.
ففي عدن مثلاً كان هناك مشروع ديمقراطي هائل جداً في مرحلة الخمسينات، لكنه انحدر بعدها حتى غاب بشكل كامل في فترة الحزب الواحد والصوت الواحد، بدواعي الوطنية الثورية، وصار هناك تقليص أو تحديد لمفهوم الوطني، حيث أصبح كل من يخالف السلطة لا وطنياً، ولهذا جاءت كل أشكال التطرف والمشاكل التي أعقبتها؛ ولا زلنا نجتر حتى اللحظة خطابات تغييب الديمقراطية، ليس في اليمن فقط إنما في العديد من البلدان التي حدثت بها انقلابات عسكرية بمبررات وطنية أو ثورية، والتي استأثرت بكافة ثروات البلد ووظائفه السياسية والإدارية، مما أدى ذلك إلى تدمير هائل في البنية الاجتماعية. وفي رأيي أن كل ما يحدث في العالم العربي نتيجة لهذا الاستبداد الذي دام أكثر من خمسة عقود.

*ما هو موقف علي المقري مما يحدث اليوم في اليمن، سواء عاصفة الحزم من جهة أو الحوثيين من جهة أخرى، بالإضافة لتنظيم القاعدة المنتشر؟ وقبل ذلك من الثورة اليمنية؟

تتمتع السعودية بثقل سياسي كبير في اليمن. يتمثل ذلك في العلاقة السياسية مع السلطة اليمنية منذ أوائل السبعينات، بالإضافة لنفوذها داخل المجتمع اليمني لدى القبائل وخلافه من شرائح المجتمع. وفي الجانب الآخر، هناك علاقات اقتصادية تربط اليمن مع السعودية، والكثير من القوى السياسية في اليمن لها ارتباطات وثيقة بالسعودية، ويبدو لي أنه كان يمكن للسعودية نتيجة لثقلها ومكانتها السياسية الكبيرة التي تتمتع بها في اليمن، أن تحل المشكلة قبل أن يصل الأمر إلى إعلان الحرب والتدخل العسكري!
لكن ما يلاحظ أيضاً أن السعودية وُوجهت بتدخلات إيرانية معلنة في الشأن اليمني دعمت بوضوح جماعة الحوثيين مع  تهديدات معلنة ضد السعودية، كما وُوجهت بتعنت من قبل علي عبدالله صالح، حيث وجد صالح نفسه يفقد سلطته التي دامت لأكثر من ثلاثة عقود ورأى أنه سيخرج منها باعتباره متهماً، أو مداناً. لهذا أعتقد، كما يبدو، أنه لا بد أن يدخل في معركة تعيد له الاعتبار ولو شكلياً، يسترجع من خلالها السلطة عبر أحد أقربائه، ليبقى أسمه في التاريخ السياسي اليمني لامعاً، أو غير مشوهاً؛ بينما في الواقع قد شُوّه اسمه كثيراً، بسبب قمعه للكثير من المعارضين، ولإشعاله الكثير من الحروب خاصة تلك التي قام بها تجاه جنوب اليمن. لذلك، مهما حاول أن يُخرج أسمه من شوائب التاريخ اليمني الحديث فلن يستطيع، لأنه إذا كان هناك كوارث حدثت في العقود الأخيرة في اليمن، فإن أكبرها هو بقاء علي عبد الله صالح في الحكم طوال هذه العقود.

*هل نستطيع القول، بأن الشاعر علي المقري سيعود ؟

العلاقة بالشعر هي مزاجية لحظية، فالشعر يكتب في حال من المزاج اللحظي للشاعر، على العكس من الرواية التي تحتاج إلى نوع من الشغل الدائم والبحث المتواصل، من تخصيص أوقات محددة بشكل يومي للعمل، والبحث عن الجوانب الفنية والإشكاليات الإنسانية الوجودية، أثناء الكتابة وخارجها.
لا أعلم إذا ما كانت ستعود تلك اللحظة المزاجية لكتابة الشعر أم لا، لكن كل شيء ممكن.

*تقيم الآن في باريس منذ تسعة أشهر، كيف تجد الكتابة بها؟

الحقيقة أنا مرتبط بالمكان بشكل كبير، ولا يبدو لي أنني سوف أكتب في الفترة القصيرة القادمة شيئاً، قبل أن أعتاد على المكان وظروفه والعيش داخله. لا زلت أتمنى أن تستقر اليمن، لكي أعود وأكمل مشروعي الكتابي، اليمن لا زالت في متناول أفكاري، وأتمنى أن أعود للكتابة منها.

*كيف تجد مدينة باريس؟

– لا زلت في مرحلة الدهشة. فباريس متحف حي كل يوم يتجدد بفنونه وجمالياته. فنحن بالرغم من مجيئنا من أمكنة تسمى مدناً إلاّ أنها لا تعرف المدنية في حياتها اليومية المعاشة، حيث لا نجد فيها نساء جميلات يملأن الشوارع مثل باريس. ولا نستطيع أن نلبس أو نأكل أو أن نشرب بحرّيتنا، حتى إن أردنا ذلك فلا نستطيع أن نجد الأكل اللائق أو الشراب بكل تنوعاته. فباريس بالنسبة لي أجدها خلاصة لجمال الأشياء في العالم، قد لا تتحقق الكتابة في باريس، لكن الحياة تتحقق فيها.

الخميس، 28 يناير 2016

رحلة إلى بلاط الشهداء


كتب المؤرخون أن معركة بلاط الشهداء بين المسلمين والمسيحيين تقع بالقرب من مدينة Poitiers
"بواتييه" الفرنسية، المدينة التي زرتها عبر برنامج يرسل الصحفيين إلى المدارس الثانوية ليتحدثوا عن تجاربهم في الصحافة والأحداث التي تمر بها بلدانهم، بالتعاون مع بيت الصحفيين في باريس.
وصلت إلى "باوتييه" وكان ينتظرني أحد المدرسين حاملاً لوحة كتب اسمي عليها، اعتذرت عن التأخير وأبلغني أنه أمر عادي طالباً مني الاسترخاء حتى نصل المدرسة، وفي الطريق راح يحدثني عن أبرز معالم المدينة ومنها Futuroscope "فوتورسكوب"، وحدثني أيضاً عن أكلات المدينة الشعبية ومهرجاناتها وغيرها..
وصلنا إلى الثانوية في" شاتورو"، حيث كان ينتظرني ما يزيد عن الأربعين طالبا تتراوح أعمارهم بين الخمسة عشر والسبعة عشر عاماً وبعض المدرسين والصحفيين..
بدأت المحاضرة بالاعتذار عن التأخر، حيث لم ألحق بالقطار الأول، فاضطررت لحجز تذكرة سفر في القطار اللاحق، وأضفت مازحاً هذا أمر عادي بالنسبة لشاب عربي، وضحكوا.
ثم تحدثت سريعاً عن تجربتي بين السعودية وسوريا، وخروجي إلى الأردن حتى وصلت إلى باريس.
بعد ذلك تلقيت الأسئلة، ومنها ما الذي شجع السوريين للخروج بمظاهرات ضد نظام الأسد؟ ما هو سبب الثورة السورية؟ ماذا تعتقد سيحدث في سوريا مستقبلا؟ 
أحد الطلبة سألني عن وسائل التعذيب في المعتقلات السورية، طالبا أن أتحدث عنها إذا لم يزعجني الأمر، فأجبت أنه لا يزعجني لكنه سوف يزعجكم بالتأكيد، وتحدثت عن الفرع 215 الأمن العسكري بدمشق، والذي اعتُقلت فيه لمدة شهرين لم أستحم خلالها، وعن قمل الجلد الذي كان يملأ أجسادنا، وكيف كنا نرتدي ملابسنا بالمقلوب حتى نخفف من لسعه الدائم لأنه يعيش في عقد ووصلات الأقمشة.
تحدثت وأنا أراقبهم حتى باشروا بالتحرك على كراسيهم وبحك أجسادهم، ثم انتقلت إلى وسائل التعذيب وصراخ المعتقلين وسوء الطعام وتلوثه، ولاحقاً عن تدهور حالة المعتقل الذي بقيت أتابع أخباره بعد أن خرجت منه، وظهور حالات تفسخ بالجلد وموت جماعي، مخبراً الطلاب أنه ذات الفرع الذي سربت منه الصور الشهيرة، طالباً منهم قراءة شهادة سيزر -وكان بعضهم قد قرأها- عن الصور المسربة، وأثناء مراقبتي للطلاب وأعينهم وردات فعلهم، رأيت أن أشد ما آلمهم حديثي عن لاجئة سورية في فرنسا، تقضي يومها في البحث عن صورة زوجها المعتقل بين آلاف صور القتلى.
أما السعودية والتي عشت فيها طويلاً، فنصيبها من الأسئلة كان أقل، ومن أبرز الأسئلة التي وجهت لي عنها، سؤال من طالبة عن رأيي بوضع المرأة هناك، وأجبت أنه يشبه وضع المرأة الأوروبية في العصر الفيكتوري، والذي تحدث عنه الفيلسوف ميشيل فوكو، حيث تم عزل الرجال عن النساء، فوضعوا الستائر في صالات الطعام وغيرها لحجب الرؤية، ويعلق فوكو بأن كل وسائل العزل المستخدمة كانت تذكر بالجنس ذاته.
وهو ما ينطبق اليوم على وسائل العزل في السعودية، فسيارة الهيئة التي تحضر في الأسواق ويطلق على رجالها "حراس الفضيلة" تعني أنها موجودة لمنع "الرذيلة"، وهي الممارسة الجنسية وكل ما يؤدي إليها. وهكذا يتم اختصار المرأة بكل ما تحمله من نزعات وعواطف بشرية، بالجنس وممارسته في المجتمع الذكوري.
عقب المحاضرة ذهبت برفقة الأستاذة المنظمة وتجولنا في مدينة "شاتورو"، ثم اتجهنا إلى منزلها حيث لحق بنا مدرس آخر بصحبة عائلته، تناولنا طعام العشاء وحدثوني عن بلاط الشهداء، وطاولات رسمت عليها جيوش ووضعت في مكان المعركة مزودة بالأزرار الإلكترونية، إذا لمسها الزائر تتحدث عبر سماعات عن المعركة وتاريخها وما يخصها من أحداث، وبعد منتصف الليل خرجت مع المدرس وعائلته لمنزلهم الكبير، حيث قضيت ليلتي هناك.

في اليوم التالي صباحاً جاءت مدرسة أخرى لنقلي إلى ثانوية "فيكتورهوغو" أكبر ثانويات مدينة "باوتييه"، وفي المدرسة اصطحبتني فرنسية من أصول جزائرية لأشاهد الثانوية وأقسامها المتنوعة من راديو ومكتبة وغرفة للموسيقى وغيرها. المدرسة كانت مستشفى وبعد الحرب العالمية الثانية تم تحويله لثانوية، وعُلقت على جدرانها صور للمستشفى وتركت بعض الأدوات القديمة في ممراتها منها بيانو للعزف، بالإضافة لصور جماعية للأطباء، وأخرى حديثة للأساتذة تُلتقط مع بداية كل عام دراسي.
بعد أن تناولنا الغداء، بدأت المحاضرة لثلاثين طالب تقريباً، أما أسئلتهم فلم تختلف كثيراً عن طلاب "شاتورو"، وبالعموم وجدتها أسئلة عقلانية تبحث عن إجابات منطقية، وعن حافز أكبر للبحث عن المعلومة.
وبالرغم من إدلائي برأيي بكل شاردة وواردة خارج المحاضرتين، إلا أني اختصرت الحديث عن المعركة التي خسرها أجدادنا بسرد ما قاله صديقي اللاجئ السوري عندما مر بالمدينة وهو قادم من إسبانيا متجهاً إلى السويد، حيث قالوا له هنا خسر العرب معركة بلاط الشهداء، فأجاب "الحمد لله أنهم خسروها وإلا أين كنت سألجأ؟".

هافنغتون بوست

مستقبل سوريا بين الفرص والمخاطر

تدور النقاشات في الساحة السورية حول الحكومة المؤقتة ورئيسها أحمد الشرع، حيث يرى بعضها أنه يمثل فرصة جديدة للبلاد التي أنهكتها الحرب، ويرى بع...